تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم

فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. قال: والآن فاسمع يا هذا: ما أشد ذهابكم، يا بني آدم، بأنفسكم وافتتانكم بعقولكم، وتباهيكم بهذا القدر الضئيل الذي تعلمون من ظاهر الحياة الدنيا

وما أوتيتم من العلم إلا قليلا .

نتساءل يا هذا في حكمة الله - جل مجده - في خلق الذباب وبثه، وتنكر ما يلون للناس من الأذى في صحتهم وفي حياتهم، وقد ذهب عنك أيها الأبله أن هذا الذي تنكر من فعل الذبان هو بعض حكمة الحكيم في خلق الذبان، فلقد تعلم أنه لولا شيوع الأمراض والعلل لما مات أكثر من يموت من الناس في كل يوم وفي كل ساعة، وإذن لاطردت الزيادة في عدتكم يا بني آدم حتى تضيق بكم مساحة الأرض، ويعجز بطنها وسائمتها عن مواتاتكم بما يكفي لبعض طعامكم وكسوتكم، فلا مفر لكم من التناحر والتقاتل في التماس أسباب العيش، حتى ليقتل الوالد ولده وتأكل الأم طفلها، طوعا لغريزة استبقاء الحياة، وكذلك لا يلبث العالم كله أن تسوده الفوضى وهي أهم عوامل الفناء، فالموت إذن أيها الأبله هو أبلغ أسباب الحياة!

1

ثم إذا كنتم تنكرون أيها الأغفال ما ينشر الذباب فيكم من أسباب الأمراض والعلل، وتتمنون على الحياة لو تعيشون الدهر في صحة وعافية، فمن أين لعمري تعيش هذه الجيوش الجرارة من الأطباء والممرضين، والممرضات وخدم العيادات والمستشفيات، والصيدليين وعمال الصيدليات، وأصحاب مصانع الأدوية والعاملين فيها، ومنتجي المواد الأولية للعقاقير الطبية، ومن وراء كل هؤلاء مممن يعولونهم، ويعودون بهذا السعي على شملهم!

ثم لا تنس العاملين في أسباب الموت من «الحانوتية» واللحادين - التربية - وباعة الأكفان، وسواقي عربات الموت، وغير أولئك ممن لا يصيبون الأرزاق والأقوات إلا بفضل الموت والأموات!

وسكت برهة، ثم قال: أفآمنت الآن أن ذبابا واحدا أجدى على العالم، وأعود بالخير على نظامه منك ومن عشرة من أمثالك؟

فقلت: آمنت بالله.

ثم لم يرعني إلا أن أرى هذا الخلق الكبير، جعل يصغر ويضمر حتى عاد ذبابا في جرم سائر الذباب، ثم طار فوقع على رميق عيني وجعل يفحصه برجله فحصا غير رقيق، وما كدت أتهيأ للقيام حتى أدركت أنني كنت في أحكم الأحلام!

وفرغ صاحبي من حديثه، فقلت له: إذن فقد آمنت بأنك في هذه الحياة لا تساوي ذبابا؟ قال: ولا عشر ذباب، وكذلك يكفيني الله شرور الغرور والافتتان، وهما أشد مهالك الإنسان فقلت: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه.

| عواطف

لم أعثر في معجمات، ولا فيما وقع لي من تعبيرات المتقدمين أنهم كانوا يطلقون كلمة «عاطفة - عواطف» على ما يطلقها عليه أهل هذا العصر الحديث، وأعني هذا الاطلاق العريض، فأصل العطف على وجه عام، الالتفات ومنه عطف إليه: مال، وعطف الشيء: أماله وحناه وتعطف عليه، رق له وبره، وعطفت الناقة على ولدها: حنت ودر لبنها، ومن هذا المعنى - فيما أظن - جعلت هذه اللفظة تتسع في إطلاقها حتى أصبحت تدل على نوازع النفس وأهواء القلب جميعا، وكذلك تتطور الألفاظ مع اطراد الزمان حتى تكاد تلابس في كل عصر معنى جديدا.

وإذا كانت لفظة «العواطف» تدل اليوم أكثر ما تدل على خوالج القلوب ولواعج الكبود من هوى وصبابة، ووله لاحق، وغمز على الحشا من عشق وتبريح غرام، فإن هذه العواطف كثيرا ما يكون لها مثوى آخر غير القلوب وغير الكبود!

نعم، لقد يكون لها مثوى آخر وإن كانت جمهرة الناس لم تأبه له ولم تلتفت إليه، على أن من هذه العواطف ما هو أشد وأعنف، ومنها ما هو أطغى وأجرف ولكن أكثر الناس لا يعلمون!

لقد يروعك مرأى عاشق أدنفه الحب، وبرحت به الصبابة وقد هجره المحبوب قلى أو تجبنا، فبات المسكين يساهر النجم ولا يغمض جفنه عن تصفح وجه البدر، لعله يصيب فيه بعض الغناء عن وجه الحبيب، ولعمري ما هو بمغن عنه شيئا وإلا فما هذه الأنفاس الحرى كأنما يتفرج بها من الحشا سعير بركان!

قطوف البشري · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ١٠٤