تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أهم ما يلفت النظر في خلاله، أنه كان أقل خلق الله تأثرا بما يغمر المرء من متعارف الناس ومصطلحهم في عاداتهم وتقاليدهم وسائر أسبابهم؛ بل لقد كان له نظره الخاص في الأشياء، وكان له حكمه الخاص عليها، وهو إنما يأخذ نفسه بما يصح عنده من هذه الأحكام، لا يبالي أحدا؛ ولا يتأثر كما قلت بأثر خارجي، ولو كان مما انعقد عليه إجماع الناس، وإذا كنت قد نعته «بالفيلسوف» فإنما أعني هذه الصفة فيه، فإنني لم أكد أرى رجلا لاءم كل الملاءمة بين رأيه في أسباب الحياة، وشدة تحريه أخذ النفس بأحكام هذا الرأي، كما بان لي من خلة هذا الرجل، بحكم ملابستي له السنين الطوال.

ولقد كانت له آراء في كثير من الأشياء لقد تبدو غريبة، حتى يظن أن في طريقة تفكيره شيئا من الشذوذ والانحراف، وما أحيل هذا إلا على أنه لا يخف لمطاوعة الناس في كل ما يستوي من الإدراك للناس!

ثم لقد كان رجلا يرجح عقله ذكاءه، وإنه ليحتاج في تفهم دقائق المعاني إلى شيء من المطاولة والتدبير، على أنها بعد هذا تتسق لذهنه مدركة ناضجة، لا كما تخطر لحداد الذكاء «خطرة البرق بدا ثم اضمحل»!

كذلك كان مما يلفت النظر في شأن المويلحي أنه شديد الاستيحاش من الناس، فلا تراه يستريح بالحديث إلى من لا يعرف منهم ولم يألف، ولقد يكون في مجلس يجمع الصفوة من خلانه، ومعهم رجل لا يعرفه، فإذا هو يفتر وينقبض حتى يكاد «يوحش في المجلس»، وعلى هذا لقد كان يكره بالطبع الدخول في زحمة الناس، والترائي للجماهير، وما إلى هذا من مقتضيات الظهور.

ومن أجل صفات هذا الرجل حدة العزم، وقوة الصبر، وشدة الحمل على النفس، فما إن رأيته يوما شاكيا ولا مظهرا للبرم بالحياة مهما كرثه تصرف الحياة، ولقد يكثر المال في يده فيبسطها، إلى ما يقرب من السرف في النفقة في حاجاته، وإصابة ما يحلو من المتع واللذائذ، ولقد يرق المال في يده فيلزم داره الشهرين والثلاثة لا يبرحها أبدا، متجملا في عامة شأنه بما عنده مهما يبلغ من القلة، لا يسأل أحدا عونا، ولا يطالع الصديق بحاجة.

كذلك كان من أجل صفاته الصدق في القول، ولقد عاشرته ما عاشرته، فما أذكر - والذي نفسي بيده - أنني أحصيت عليه كذبة واحدة قط، ولا من ذلك النوع الذي يتورط فيه المرء في مصانعة الناس ومجاملتهم، فإن ألحت التقاليد عليه في شيء من هذا سكت أو ورى، ولقد أذكر أنه قابل ولي الأمر الأسبق في يوم من أيام رمضان، فسأله: أصائم أنت يا محمد بك؟ فأجاب من فوره: «والله ما أكذبش عليك يا أفندينا!» فضحك ملء شدقيه من هذا الجواب! •••

ثم لقد كان رحمه الله شديد العناية بالنظافة في جميع ملابساته، متأنقا عظيم التأنق في كل شيء، يحب الزهر ويكلف به، ويحسن تأليفه وتصنيفه، ولا يمس إلا أزكى العطر وأغلاه.

وكان شديد الاحتفال للطعام، مبالغا في التأنق فيه؛ ولربما طالع طاهيه المرات الكثيرة في مطبخه، يتقدم إليه بأن يفعل بهذا اللون كذا وكذا، ويصنع بتلك الصحفة كيت وكيت، وهو بهذا حق خبير، فإذا قرب إليه طعامه اجتمع له اجتماع شهوان يلتذ به أيما التذاذ، على أنه مع هذا كان حسن المأكل، يلتزم في تناوله وإزلاقه أعلى الآداب.

وكان رجلا طبا، كأن طول تمرينه في النقد الكتابي قد طبعه على النقد في كل شيء، وأنضج ملكته فيه، فلا تراه يتخذ شيئا في أي سبب من أسبابه إلا إذا فحص ونقد وتخير، فما يكاد يخدع على أمر أبدا!

وهو بعد يحب النكتة البارعة ويحتفل لها، على أنه إذا وصل المجلس بينه وبين أصحابه ممن حذقوا هذا الفن وبرعوا فيه، من أمثال المرحومين السيد محمد البابلي، ومحمد بك رشاد، ومحمد بك رأفت، لم يكن في الغالب هو المنشئ للنكتة والمبتكر لها، ولكنها ما تكاد تسقط من فم غيره حتى يتولاها بالتخريج والمط والتوليد والتلوين، فما ينتهي أحد في ذاك منتهاه.

المختار · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٩٩