تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومهما يكن من شيء فإن هذا الرجل كان من أوسع الناس علما بطباع المصريين وأخلاقهم وعاداتهم ومداخل أمورهم، على اختلاف طبقاتهم وتفاوت مراتبهم، فإذا تحدث في هذا الباب فحديث المتمكن الخبير.

ومما ينبغي أن يذكر له، ويختم به هذا الحديث، أنه رجل لم يجد الإلحاد ولا الزيغ إلى قلبه السبيل؛ بل لقد كان مؤمنا شديد الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، والحمد لله رب العالمين، فإن رأيت منه شيئا من الانحراف في تخريج مسألة جزئية من مسائل الدين، فأحل الأمر على مجرد الخطأ في الاجتهاد والتأويل.

رحمه الله رحمة واسعة، وغفر لنا وله، وأحسن جزاءه في دار الجزاء.

| عزاء1

كتب يعزي كبيرا في بنية له:

لا قوة إلا بالله، ولقد خبرتك يا سيدي دهري الأطول، فإذا رأس لم يطأطأ لعظيم، وإذا قلب لم يهن في يوم الروع، وإذا ساق لم تنخذل من دون أفدح الأعباء، فكيف كانت حالك يا سيدي يوم التمست زهرتك الناضرة فإذا قد عراها الذبول، واستقبلت شمسك الساطعة فإذا قد لحقها الأفول، أفترى عزمك قد تضعضع، وقلبك قد تصدع، ورأسك قد ألقي إلى كفيك فلا تسمع بينهما إلا زفرة، ولا ترى إلا عبرة تترقرق في عبرة؟

وا رحمتا لك، فقد طالما كبرت على غبر الدهر، وشمست على أحداث الليالي، فلم يزدك امتحان الزمان إلا شدة على الشدة، وقوة على القوة؛ ولم يزدك جلاد الأيام إلا صبرا على الجلاد، وعزما في الكفاح والجهاد، حتى كان قضاء الله في بنيتك، فسرعان ما سلمت لقضاء الله، ووهت قوتك كلها حين لا قوة إلا بالله.

ولو كان للموت قلب لكنت آخر من يعتدي الموت على قلبه، فإن عظيما أن يجرح آسي الكلوم، والدافع عن ظلامة المظلوم، والقائم طول العمر في وجه الأقوياء الطغاة، ذيادا عن حقوق الضعاف العفاة، والباذل كل مواهبه العظام في سبيل الوطن وفي سبيل الله!

ليس في الموت حيلة إلا أن يعين الله على بلائه بالصبر وجميل العزاء، ثم يثيب من فضله عليهما بالأجر وحسن الجزاء، وقد حق لك يا سيدي الرئيس أن تظفر في الأولى بالصبر الجميل، وأن تفوز في الأخرى بالأجر الجزيل، والسلام عليك ورحمة الله.

| تعزية صديق لصديقه1

إلى صديقي الدكتور بيومي

لقد ضربك الدهر فأدمى، وطعنك فأصمى؛ واعتمد أزكى زهرة في يدك فاقتطفها اقتطافا، وأكرم درة في بيتك فاختطفها اختطافا، ولطالما تألقت فيه نورا، ولطالما سطعت فيه أرجا وعبيرا.

وإن صديقك الذي أنقذت في الله والمودة ولده، لحقيق بأن ينخلع فؤاده بما عصف الدهر بولدك، فجمل الله يا أخي صبرك، وأجزل فيه أجرك، والسلام عليك ورحمة الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

صديقك المخلص

| من صديق1 إلى الدكتور نجيب بك (باشا) محفوظ

لقد عشت عمرك عظيما جليلا، ويأبى الدهر إلا أن يكون مصابك عظيما جليلا.

وإذا كان القدر إنما يمتحن الناس على قدر ما رزقوا من فضل وصدق وعزم ، وقوة صبر ووثاقة حلم؛ فما أروع رأي القدر فيك حتى امتحنك بهذا كله! وكيف الحيلة في ذلك؟ وذلك تقدير العزيز العليم!

يا صديقي

لقد أجرى مصابك في كل محجر دمعة، وأذكى في كل صدر لوعة، وكان له على كل حشا غمزة، وفي كل قلب وخزة، وأقام في كل دار مناحة، وبسط في كل مكان مأتما، وشده الناس من هول المصاب، وزاغت أبصارهم حتى كأنما دعوا لساعة الحساب، فاللهم رحمة ولطفا، واللهم رأفة وعطفا.

لقد شاعت هذه الفاجعة حتى أصاب كل سهمه، واحتمل كل قسمه، فالله تعالى أكرم من أن يختصك بهذا كله، فبعض هذا مما لا يقوى على حمله إنسان!

ألهمك الله من التصبر ما يكافئ مصابك، ومن التعزي ما يؤاسي كلومك وأوصابك. اللهم آمين.

| مسكين!1

كتب تحت هذا العنوان يعزي عزيزا في عزيز:

لست أرى امرءا أحق بالشفقة وأولى بالرحمة من هذا الذي قدر لنفسه طول السلامة ودوام الأمن، فلم يدخل قط في حسابه صروف الأقدار، ولا ما عسى أن يجيء به الليل والنهار، حتى إذا امتحنه الدهر في نفسه أو في ولده، أو في أحب الناس إليه من أهله وغير أهله، انخلع قلبه، وكاد الهلع يأتي عليه؛ ورأى أن صبره أوهن من أن يحتمل الرزيئة، وجلده أرق من أن يصمد لما حاق به من البلاء!

المختار · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٠٠