تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا زلت كلما لقيت صاحبي أذكره هذه الحكاية، فيضحك في غيظ، لا أدري: أمن تذكيري له بهذه القصة، أم أنه ما تزال في صدره بقية من هذا الضغن القديم؟! الله أعلم! •••

وقد عرفت أن الشيخ علي يوسف كان رجلا مكافحا، بل إن قلمه لم يكن يجود في شيء مثلما كان يجود في الكفاح، ولم تكن سياسة الاحتلال في مصر تخشى سطوة قلم قدر ما تخشى قلم هذا الرجل، فإنه كان - فوق كفايته البيانية، وما آتاه الله من شدة العارضة، والتمكن من نواصي جلائل المعاني - لا يهرول إذا هرول في الصغائر، ولا يطعن إذا طعن إلا في الصميم.

ولا أحب أن أتجاوز هذا المعنى في الرجل قبل أن أدل على خلة من خلاله في كفاحه: ذلك بأنه كان يعتمد أضعف النقاط في خصمه فيتجمع لها، ثم يثب عليها بكل قوته، ولا يبرح يطعنه منها دراكا، حتى يدوخ رأسه، ويذهله عن سائر أسلحته، إذا كانت له أسلحة أخرى تجهز بها لذلك النضال.

وكان في كتابته سريعا جدا، حتى لتحسبنه ويده تجول في القرطاس عازفا على قانون، لا مسطرا بيراع، وتراه كلما فرغ من وجه الرقعة من الإضمامة دفع بها إلى من يفضي بها إلى المطبعة، وهكذا حتى يأتي على غاية المقال، لا يتتعتع، ولا يتحبس، ولا يحتاج إلى مراجعة شيء مما أسلف، ومع هذا تجد المقال سويا غاية في الحبك وتناسق الأطراف!

ومن العجب العاجب في أمره أنه كثيرا ما كان يكتب والغرفة محتفلة بالزوار وأصحاب الحاجات، يرفعون أصواتهم بفنون الأحاديث والجدل، بل لقد يأخذ معهم في بعض ما هم فيه، وهو ماض لشأنه لا يشغله هذا عنه كثيرا ولا قليلا!

الشيخ علي الصحفي

ولقد كان رحمه الله، صحفيا بأجمع معاني الكلمة، يكتب المقال الرئيسي كل يوم بيده، ويراجع كل ما يدلي به إليه الكتاب من المقالات، ويفض البريد بنفسه، فما رآه كفئا للنشر أذن في نشره، وقد يحذف بعض المقال ويبقي على بعض، فإذا تهيأت الجريدة للطبع وراجعها المصححون، تناولها فقرأها من أولها إلى آخرها، يصحح ما عسى أن يكون قد فات القوم تصحيحه ويتثبت من ألا يكون قد دس على الجريدة شيء مما يكره، أو يكون قد سقط إليها في سر منه إعلان عن خمر أو غيرها من المناكر.

وكان على جلالة محله، وكثرة المخبرين لديه، يطوف بنفسه كل يوم بأكثر الدواوين في تنسم الأخبار، يستخرجها بلطف حيلته من النظار «الوزراء» أو من المستشارين الإنجليز فمن دونهم من عيون الموظفين.

وهكذا استطاع الشيخ علي بكفايته وحد عزمه، أن يجعل من المؤيد أعظم جريدة في مصر، برغم كل ما كان يعتريها من الكيد، بل أعظم جريدة في العالم العربي كله.

من أخلاق الشيخ علي

وقبل أن أختم الحديث في الشيخ علي يوسف أرى لزاما أن أشير إلى فضيلتين من فضائله البارزة بروزا عظيما: أولاهما أنه كان خيرا مطبوعا، ما رأيته سئل الخير قط يستطيعه إلا فعله مهما يكن فيه من عنت ومن إرهاق، وإنه ليفعل مغتبطا راضيا هاشا حتى ليكاد يلتمس لسائليه الخير التماسا، وحتى ليكاد يصدق فيه قول الشاعر: «كأنك تعطيه الذي أنت سائله»، وإني لأعرف أنه كان يجرد صدرا من يومه في السعي لحاجات الناس ابتغاء رضوان الله، هذه واحدة، أما الثانية فشدة وفائه، ولقد عرفت صلة الرجل بالقصر، ومبلغ ضعفه له، ولقد يتغير ولي الأمر يومئذ على رجل من صدقانه، أو ممن أسلفوا له يدا، فتتناهشهم الأقلام من كل جانب، اللهم إلا المؤيد، فإنه الذي لا يطلق مقالة السوء فيه أبدا، وحسبك دليلا في هذا الباب شدة توافيه للمرحومين الشيخ محمد عبده، وسعد باشا زغلول، ورياض باشا، وغيرهم كثير، فإن كان قد مس بعضهم كما مس رياض باشا عقب خطبته المشهورة؛ فلقد كان عذره واضحا، وأي وطني يطيق أن يسمع الإشادة بفضل المعتمد البريطاني على حساب كرامة أمير البلاد! على أنه فيما مسه قد كان به أرفق الكاتبين. •••

المختار · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٩٢