تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرأيت كيف كان هذا الرجل محاطا من جميع أقطاره بنطاق من العداوات المختلفة، بل التي يصطرع التناقض أحيانا بين أسباب بعضها وبين أسباب بعض؟ على أن إذكاء بغض الشباب والعامة للرجل من جهة، وبغض بعض الخاصة له من جهة أخرى، إنما كان يسلكه له خصومه من أحد طريقي الضعف فيه - إن صح هذا التعبير - أولهما: أنه كان معتدلا لا يرى العنف سبيلا إلى استرداد حقوق البلاد؛ بل إن هذا العنف لقد يرديها في أخطار لم تكن لها في الحساب، وكان طوعا لهذا يرى ألا يتحدث عن الشئون العامة إلا الشيوخ الناضجون المجربون، وهذا وهذا - ولا شك - مما لا يرضي الشباب المشتعل حماسة لحق الوطن، ولا تنس أن العامة من وراء هؤلاء.

أما السبب الثاني فلصوقه بالقصر، وشدة توافيه له، ومظاهرته له على الدوام، وأظن أن هذا مقام لا تحمد فيه إطالة الكلام.

مع هذا كله ففي الجلى، يوم تحدث الأحداث القومية، ينفض الناس قلوبهم حتى يتساقط عنها كل ما علق بها من الحقد على الشيخ علي يوسف، ويتلعون أعناقهم نحو المؤيد، شاخصة أبصارهم، مرهفة آذانهم، معلقة في انتظار ما يقول الشيخ أنفاسهم، فإذا النمر الجبار يثب على فريسته من عدوان العادين وثبته، فلا يزال يوسعها تمزيقا بمخلبه، وضغما بأنيبه، حتى ما يدعها إلا «أعظما وجلودا»!

نعم، لقد كان يقول الشيخ علي فيروي كل غلة، ويشفي كل علة، ويعلو بسطوة قلمه حتى ما ينتهي منتهاه في ذاك أحد، والناس طرا لهذه النصرة بين مهلل وبين مكبر! هذه كانت قدرة الشيخ القادرة، وهذه كانت قوته العبقرية النادرة، وهذه مقالاته في أعقاب حادثة دنشواي ما برحت ترن في آذان من قرأوها إلى الآن.

وإني لأذكر له حادثا طريفا في هذا الباب: فشت الفاشية، لا أعادها الله بين المسلمين وإخوانهم الأقباط عقب مصرع المرحوم بطرس باشا غالي، وكان ذلك في سنة 1910 على ما أذكر، وعقد الأقباط مؤتمرا مليا لهم في أسيوط، وأجابهم المسلمون بمؤتمر مثله في القاهرة، وأفضوا برياسته إلى أكبر رجل في البلاد يومئذ، وهو المرحوم مصطفى رياض باشا، واختار القائمون على هذا المؤتمر مثوى لاجتماعه ملعب مصر الجديدة، ومضى الناس أفواجا في اليوم المشهود، واجتمع رجالات البلد لم يتخلف منهم إلا من انقطع به العذر، وتصدر الحفل رياض باشا، وتعاقب الخطباء كابرا بعد كابر، فأبلوا في المقال أيما بلاء، وأبدعوا في الخطاب أيما إبداع.

حتى إذا كانت النوبة على الشيخ علي أذكى بعض شبان الحزب الوطني في المحتشدين في بهو الملعب طائفة من الفتيان من طلبة الأزهر وتلاميذ المدارس، يسألون القوم ألا يصفقوا إذا خطب الشيخ، ولا يظهروا أية إشارة تدل على الاستحسان، فوعدهم أكثر الناس بهذا، وأصروا عليه مخلصين لما تنطوي صدورهم من حقد عليه ومن بغضاء.

وينبعث الشيخ يخطب، وهو كما قدمت لك غير خطيب - أستغفر الله - بل لقد انبعث يتلو مقالته في أوراق بين يديه، وأنت حق خبير بالفرق الهائل بين أثر التالي وأثر الخطيب، وما إن مضى في تلاوته بضع دقائق حتى أخذ الناس عن نفوسهم، ونسوا ما عاهدوا أولئك الفتيان وعاهدوا أنفسهم عليه، فبروا من التصفيق أكفهم، وشققوا بالصياح حناجرهم تشقيقا، فكنت تسمع من هتافهم مثل الرعد القاصف، وترى من اضطرابهم وتموجهم فعل الريح بالأغصان في اليوم العاصف! وكان من أشدهم سعرا من كلام الرجل هم أولئك الفتية الذين كانوا يروضون الناس على ألا يلقوا خطابه إلا بالجمود والإعراض.

وجهد بالرجل فتعاور التلاوة عنه كل من أستاذنا إبراهيم بك الهلباوي، والمرحوم أحمد بك عبد اللطيف المحامي الأشهر، وأنت كذلك خبير بأثر خطبة يتلوها في الساعة غير منشئها، ما أرخى إليها من قبل نظرا، ومع هذا فما برحت تزداد الفورة ويشتد بالقوم الفتون!

ولقد أذكر أنه بعد إذ فرغ من خطاب الشيخ، وافقت في طريقي صديقا لي من شبان الحزب الوطني، وهو الآن من أعلام الفضل الذين يتولون منصبا جليلا في السلك القضائي؛ وكان يومئذ مسرفا غاليا في التشيع لمبادئ حزبه، مفرطا في بغض الشيخ، شديد الحمل عليه؛ ورأيته يضرب كفا بكف، فسألته: ما به؟ فأوما إلى مكان الشيخ من منصة الخطابة وقال: «على حس الخطبة دي، يقعد ابن ال ... يخون في البلد ثلاث سنين أخر!»

المختار · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٩١