عصور الأدب العربي
سيداتي، سادتي
لقد كان لسلفنا العرب في جاهليتهم أدب قوي جدا يكافئ بداوتهم وشدة طباعهم، وقوة غرائزهم، وصفاء نفوسهم، أدب يواتي كل أسبابهم في الحياة من الحرب والغزو والطرد، والتفاخر بالكرم والإيثار، والتكاثر بالأهل والعشيرة، وقوة الغزل، ودقة الوصف لكل ما يتناوله حسهم، والوقوف بالديار، ومساءلة النؤي والأحجار.
فلما فتح الإسلام عليهم من أقطار الأرض، جعلت أشعارهم وسائر آدابهم تتلون بلون الحضارة التي لابسوها، والحياة التي أخذوا في تذوقها، حتى إذا بلغوا من العلم حظا، واطردت بهم الحضارة الواسعة في عهد العباسيين، كان الأدب العربي شيئا آخر، شيئا يواتي مطالب عقولهم، ويتوافى لأحلامهم وأذواقهم في أسبابهم الحديثة.
ومثل هذا يقال في أدب الأندلس، فإن صوره ما برحت تدارج شأنهم في حضارتهم فتترف بترفهم، وتلين بلين عيشهم، حتى كان الأدب يصاب فيهم بالتزايل والاسترخاء، وحتى ولدوا في الشعر فنونا لتؤدي من الأغراض اللينة الرخوة ما عسى أن تثقل عليه أوزان الشعر!
ومصر أيضا، لقد كان لها من عهد شيوع العربية أدب يكافئ عيشها في كل عصر، على أنه وإن كان أدبها في مبتدأ الأمر لا يكاد يختلف عنه في قاعدة الخلافة؛ لأن الأدب العربي إنما كان فيها شبه عارية، لا يكاد يعالجه إلا من انحدروا إليها من الأقطار العربية؛ فإنه على تطاول الزمن جعل يتأقلم، وما برح يطرد في هذا حتى أصبح يحمل الطابع المصري الخالص، حتى إن العديد الأكبر ممن هبطوا مصر من العلماء والشعراء والكتاب في أواسط القرن السابع الهجري، عقب سقوط بغداد في أيدي التتار، لم يستطيعوا أن يحيلوا لون الأدب المصري؛ بل لقد طبعهم وأنسالهم بطبعه على الزمان!
دخول الصنعة في الشعر
سيداتي، سادتي
لقد امتحن الشعر العربي من العصر العباسي الأول بدخول شيء من الصنعة عليه، وكانت هذه الصنعة أول الأمر تعتريه في رفق ولين ، وكان أكثر ما يتغشاه من ألوان البديع الطباق والتقسيم والتجنيس، وكيفما كان الأمر فإن الاحتفال للصنعة في الشعر مما يفتر في الترجمة عن صادق الحس، وكلما أمعن الشاعر في الاحتفال للصنعة ازداد - بالضرورة - التراخي بينه وبين نفسه.
ثم ما برح يطرد هذا الصنيع ويشيع في الشعر العربي، إلى أن يطلع في العصر العباسي الثاني فيلسوف الأدباء قاطبة وأعني به أبا العلاء المعري، يطلع بديوان كامل، ديوان تضمن أجل ما تنزل عليه من الحكمة، ينتظم جميع أبياته لون واحد من البديع، وهو لزوم ما لا يلزم من إجراء القافية على حرفين أو أكثر!
ولقد شاعت هذه المحنة وتغلغلت، لا في الشعر وحده، بل في الشعر والنثر جميعا، وكان لمصر منها حظها العظيم.
وليس يتسع هذا المقام للحديث في أصحاب البديعيات من الشعراء، ولا في القاضي الفاضل وتلاميذه من الكتاب، وكل ما أستطيع أن أرده الآن في هذا الباب، أن الأدب كله أصبح عبدا للصنعة، يرتصد للنكتة البديعية، ولا يزال يتحرف باللفظ لإصابتها واقعة ما وقعت بعد هذا مرامي الكلام، حتى لقد ترون الشاعر يعقد في قصيدته القافية على حرف عزيز كالثاء مثلا، دلا ومكاثرة، فيستخرج القوافي أولا، ثم ما يزال يجد ويجهد في تجنيد الألفاظ لها، وقسر الكلام عليها، حتى يصيبها عن طواعية أو استكراه!
وعلى الرغم من أن مصر قد استوفت قسطها من هذا اللون من الأدب، فقد بقي فيها الشعر والنثر كلاهما يحملان طابعها الخاص: حلاوة في اللفظ، ورقة في الغزل، ودقة في وصف مشاهد الطبيعة.
الأدب في عهد الترك
سيداتي، سادتي
لقد كرث الحكم التركي مصر في كل شيء: في العلم، وفي الفن، وفي الأخلاق، وفي الصناعة، وفي التجارة، وفي سائر وسائل العيش، فأصبح من الطبيعي أن يتلون الأدب، على الزمن، بلون هذه الحياة، ولو قد ظل مع هذا على شأنه الأول من القوة وسعة التصرف لما كان أدبا مصريا، ولا كان مما يتسق لأذواق المصريين!