عبد العزيز البشري
الباب الأول
| في الأدب
| تطور الأدب العربي وموضعه بمصر اليوم1
تعارف حملة الأقلام
سيداتي، سادتي
وأخيرا فهذا نادي القلم، يجمع في مصر أيضا بين رجال القلم، ولقد يتداخل بعض الناس العجب من أن آخر من يفكر من أرباب المهن في التعارف والاتصال والتعاون في أسباب المهنة هم أصحاب القلم!
والواقع أن الأمر، لو جاز به النظر لا يبعث على كثير ولا قليل من العجب، فإن رجال القلم هم، من صدر الزمان، المتعارفون المتواصلون المتعاونون، وإن تراخت بينهم الديار، يلتقون كل حين في حلق الدرس، وعلى متون الصحف، وفي بطون الكتب، يلتقون لا بصورهم وأشباحهم، بل بعقولهم وأرواحهم، فإذا كان تعارف غيركم وتعاونهم أثرا لاجتماعهم واتصالهم، فإنما يكون اجتماعكم أنتم أثرا لتعارفكم، وتعاونكم، فاتصالكم اليوم، على تفرق أصنافكم وألسنتكم وأهوائكم، إنما هو من تسجيل الأمر الواقع لا أكثر ولا أقل.
وهذا هو الاجتماع الذي لا تقوى على تصديعه يد الزمان!
سيداتي، سادتي
لم تكن ثمار الفكر ملك أمة ولا خلصا لوطن، ولا حكرة لخلق من الناس، أفرأيتم كيف اجتمع لنادي القلم، في كل هذا اليسر، مع المصريين أصناف شتى من الغربيين؟ وكيف استوت السيدات في مجالسهن أثناء الرجال؟ بل كيف توافى له من عسى ألا يجمع بينهم من مذاهب الحياة إلا صنعة القلم؟ أفرأيتم إذن صلة أوثق من هذه الصلة، ورحما أبر من هذه الرحم؟ •••
بعد هذا، لقد أقبلت على نفسي أسائلها: لماذا آثرني بعض إخواني بالدعوة إلى إلقاء أول كلمة في أول اجتماع لنادي القلم؟ ولماذا كلما زدتهم اعتذارا زادوني إلحاحا حتى لم أجد لي من المطاوعة، بظهر الغيب، مفيضا؟
لقد أقبلت على نفسي أسائلها، وكلما استصعبت وتعذرت علي في الجواب زدتها كذلك إلحاحا حتى طاوعتني هي الأخرى، فإذا الجواب الذي استراح إليه فكري أن العادة جرت بأنه إذا انتظمت مواكب الجيش تقدم الأحدثون، فالذين من فوقهم درجة، وهكذا حتى يخلص آخر صف للقادة العظام، وما لي وللعسكرية وقد سلخت في منصب القضاء دهرا، وآداب القضاء تجري بأن يبدأ باستخراج الرأي من أحدث الجالسين جميعا.
إلى هذا المعنى استراحت نفسي، وعلى هذا الاعتبار تقدمت إلى إلقاء أول كلمة في هذا الاجتماع الكريم.
ولست بالضرورة، أعني بالحداثة الحداثة في السن، وإلا لكنت من آخر من يتكلم فيكم جميعا!
الأدب عرض يتلون ويتكيف
سيداتي، سادتي
كان حتما علي بعد ذلك أن أختار موضوع حديثي إليكم، ففكرت ثم فكرت، فلم يهدني تفكيري، على طول الترديد، إلا أن ألم إلمامة يسيرة بتطور الأدب العربي وموضعه في مصر اليوم، فلعلي بهذا أجلو منه صورة واضحة بعض الوضوح على من عسى ألا يكون قد عني بمطالعته من إخواننا السادة الغربيين.
وقبل أن أسترسل إلى هذا الغرض، أبادر فأقرر أنني مؤمن كل الإيمان بأن الأدب ما كان في يوم من الأيام - ولعله لا يكون في يوم من الأيام - فنا محدود الأطراف، ثابت الأبواب، مرسخ القضايا، ينتهي من التأصيل والتقعيد إلى كمال معين أو شبه كمال معين، شأن الفنون الموصولة بالعقل، أو بالطبيعة، أو بالواقع، فلا يدخل على قضاياها التغيير إلا بحدث عظيم من نحو استكشاف مجهول خفي في الزمان على أنظار العلماء، بل إن الأدب لعرض يتكيف ويتلون طوعا لعقلية كل قوم، وتاريخهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، والجو الذي يعيشون فيه، وأسبابهم الخاصة، ومبلغ شعورهم بالجمال، بل بصور هذا الجمال أيضا.
فالأدب الحق لكل قوم هو ما يكافئ عقليتهم، ويرضي أذواقهم، ويواتيهم في سائر أسباب الحياة.
وعلى هذا، لقد يكون من العبث أن نطلب للعامة من سكان الصعيد الأعلى مثلا، وهم شركاؤنا في الجنس واللغة، الأدب الذي يترواه ويمتع به المتعلمون في كبد الحضر، وأن ننعى عليهم تخلفهم في هذا، وإن عبثا كبيرا أن يراد تنعيمهم وتلذيذهم بمثل أدب الجاحظ والأغاني، وبما انتضحت به قرائح أئمة البيان وقادة الفكر في الشرق والغرب، ولو ترجم إلى لغاتهم، وأدي إليهم في لهجاتهم.