تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

لعلمه بديها، وكأن المتنبي قد عناه بلحظ الغيب حين قال:

ومن خلقت عيناك بين جفونه

أصاب الحدور السهل في المرتقى الصعب

فإذا جاءك، بعد هذا، أنه أدق الناس تفكيرا، وأعمقهم بحثا، وأكثرهم إصابة، فلا يروعنك مع هذا أنه أكثرهم إنتاجا، وأوفرهم آثارا، فقد رأيت أن عبقريته لا تعيا بشيء، ولا تجهد في الطلب بطول الاستقراء والاستخبار، وما حاجته إلى هذا وقد راض الله تعالى لذهنه الحقائق ويسرها له، حتى لكأنها هي التي تتزاحم لديه، وتتهافت عليه؟ •••

كريم الطبع، سمح النفس، عالي الهمة، ما عاذ إنسان بجاهه إلا أعاذه ما دام أهلا للبر والعطف، وإنه ليسأل المعروف فيعد وعدا فاترا متحيرا بين الأسباب والعلل، فتنصرف عنه وقد يئست اليأس كله من بره بك وسعيه لك، ثم لا يروعك إلا أن تعلم من غيره أنه لم يبق في قوس الهمة والجد في السعي منزعا، حتى يصل شأنك أو يقطع برده القدر، يفعل هذا وهو حريص أشد الحرص على كتمانه عنك، حتى لا يثقل عليك بالشعور بالمنة لطول ما جهد لك وأبلى في شأنك، ولقد تتقدم إليه لتشكره، وقد تعتب عليه إسرافه في بذل جهده، فيعاجلك بصرف الحديث إلى شيء آخر، فإذا ألححت فيما كنت فيه وأبيت إلا ترديدا له، هون الخطب عليك وأكد لك أن أمرك لم يجشمه من الجهد كثيرا ولا قليلا! يقول هذا مقال الواثق المطمئن الذي لا يتكلف شيئا في إخفاء يده وإنكار فضله! •••

هذا «هو» وتالله ما يمنعني من التصريح عن اسمه إلا اتقاء غضبه؛ فتلك لعمري التي لا هوادة لغضبته فيها ولا إسجاح،

6

على أنني غني عن أن أسمي الشمس ليعرف الناس أنها الشمس!

ألا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

| إسماعيل صبري1

رحم الله إسماعيل، وعوضنا في أدبه الحلو حسن العوض.

لقد كان مودع الأمس قطعة شعرية نظمتها الطبيعة، فأجادت فيها أيما إجادة، وأبدعت أيما إبداع!

جادت به الطبيعة كما تجود بالزهرة المونقة، والنسمة اللينة، والجدول العذب النمير!

ما حسبت قط أن صبري تكلف الشعر يوما أو شمر له، أو جلس يتصيد للقريض فنون المعاني، ويتخير لها مشرقات الألفاظ.

هذه الوردة تنفث العطر، وهذا الغمام يجود بالقطر، وهذا صبري ينطق بالشعر!

هذه القماري يطربك تنغيمها وتغريدها، وهذه بنات الهديل

2

يشجيك سجعها وترديدها، أفرأيت واحدة منها تكلفت الغناء، أو أراغت

3

به التطريب والإشجاء، أو عمدت إلى تقليب حلقها في ضروب اللحن وأشكاله من خفيف أهزاجه وثقيل أرماله؟ •••

كنت أصحبه، رحمة الله عليه، نتمشى في أقطار الجزيرة، ننعم برياضها وجداولها، ونتفرج بين أدواحها وخمائلها، حتى إذا امتلأت عينه من نضير أنوارها، وأنفه من عبير أزهارها، وأذنه من هدير أطيارها، انطلق هو الآخر يتغنى بالبيتين أو الثلاثة من الشعر، وهنالك تتشابه علي صنعة الطبيعة وصنعة الشاعر، فما أدري أأرى زهرا من الشعر، أم أسمع شعرا من الزهر؟ وكذلك كان ينظم الشعر إسماعيل!

ينفض عليك إسماعيل هذا الشعر فلا ترى أنه جاءك بجديد عليك، وإنما جاءك بشيء متصل بحسك، قائم في قرارة نفسك، وهو لا يعتريك به من مخارج سمعك، وإنما يعتريك به من مداخل طبعك، حتى ليخيل إليك أنك أنت صاحب هذا القول دونه، فإذا كان له في الأمر فضل ففي أنه عرف كيف يتدسس إلى أطواء قلبك، فيجلو عليك ما أعيا تصويره على بيانك.

اللهم إن جهد شعر الشاعر أن يحرك في الناس ألوان العواطف، أما شعر هذا الرجل فإنه في ذاته عواطف تعتلج في السطور، كما تعتلج العواطف في الصدور، وإنه ليشعرك بما يجول فيه من رقة ورحمة، وبرحة هوى، وحرقة جوى حتى ليكاد يريك دمعة الثاكل، ويسمعك أنة المجروح!

فيا لله! ما أروع هذا الذي يقبض بيده على العواطف المترقرقة في الصدور، ثم يصوغها شعرا يقرؤه الناس! •••

وبعد، فإذا تسلل شعر صبري إلى حبة قلبك، وملك عليك منازع نفسك، وأشعرك من صور الجمال ما لا يشعرك كلام الناس، فلا تقل: أجاد صبري، ولكن قل: تبارك الله أحسن الخالقين!

المختار · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٤٧