تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا واجب الذمة للحق وللبيان جميعا، وخاصة بعد هذا التبلبل الذي لا أحسب أن البيان العربي شهد مثله في أي عصر من عصور التاريخ، وحسبي هذا، فما أحب أن أقذف بنفسي في هذه الحرب الناشبة من أنصار قديم وأصحاب جديد!

الباب الثاني

| فى الوصف

| هو ...1

لا يشغل من هذا الفضاء حيزا كبيرا، فإنه دقيق الجرم، لطيف الحجم، يخيل إليك أنه لا يثبته لمهب الهواء إلا رجحان عقله ورسوخ عزمه، وإلا فلو قد خلي على هذا بينه وبين خفة روحه ورقة شمائله لاستحال معه نسمة من النسيم!

مهما يكرثه

2

من الأمر وتشط به صائلات الفكر، فإنه لا يطالعك إلا بوجه مبسوط لا أثر لعقدة فيه، بل لقد يقبل عليك فوق ذلك بالحديث الفكه ليؤنسك ويذهب وحشتك، ويفرخ روعك إذا كنت غير كفء لمجلسه، بل لقد يستدرجك إلى الحديث ويملي لك فيه،

3

ويحسن الإصغاء إليه، ويظهر الاحتفال له، مهما يكن سخيفا يجري في تافه الموضوعات، بحيث يشعرك أنك تنضح على سمعه جديدا عليه، يفيده علمه به؛ حتى لتغلون في هذا الشعور، فما تفارق مجلسه إلا وقد خلت أنك أسلفت إليه بحديثك يدا!

متواضع شديد التواضع لا يضيف فضلا لنفسه، ولا يدل على أثر لفضل، بل إنه لشديد الاجتهاد في أن يتمثل لك في صورة آحاد الناس، ولقد يجيد سبك هذا حتى يجوز أمره عليك، فتحسب حقا أنه مثل سائر الناس، فإذا كان الحديث في علم أو في أدب أو في فن، أو في استجلاء وجه الرأي في العظيمات، فهنا لا يستطيع أن يكتمك نفسه، فهيهات لامرئ أن يكف ما تجري به الأقدار، على أن عبقريته إذا فضحته برغمه وكشفت عن حقيقة شأنه، فإنه لا يبرح يواريها بشدة التواضع والرفق في مضارب الحجة لكيلا يروعك عظم خطئك، ولا يهولنك مدى ما بينك وبين الصواب، وما إن تراه يقول لمحدثه أخطأت أو عدوت الرأي، بل لقد يدارجه في بعض القضية، ثم يلوح له بالرأي في حواشي القول تلويحا، حتى إذا شامه عدل إلى طريقه وكأنه تهدى إليه من تلقاء نفسه، ما قاده إليه أحد، ووالله لكأن أبا تمام كان يعنيه هو بظهر الغيب حين قال:

جم التواضع والدنيا بسؤدده

تكاد تهتز من أطرافها صلفا

أخذ نفسه بأعلى قواعد الأخلاق، فلا يصدر إلا عنها في كل سعيه، يستوي في ذلك الدقيق والجليل من عامة شأنه، وإنك لتراه إلى هذا شديد التجمل للناس، عظيم التصبر على مكروههم، فلا يجبه إنسانا بكلمة السوء، ولا يعيره عيبه، ولا يعنف في العتاب - إن هو عاتب - على مساءة لحقته؛ بل لقد يصوغ هذا في الكلمات الخفاف اللطاف تمضي هينة رفيقة ما تثير أذى ولا تسيل جرحا، وإنه حتى ليفعل هذا وهو مستحي غاض البصر، كأنه هو الذي أساء، وأنه هو الذي يعتذر!

رزقه الله عفة النفس وعفة اللسان وعفة الرأي معا، فلا يحدر طرفه إلى ما ليس له، ولا يستكثر نعمة دخلت على إنسان مهما يجل قدرها ويدق قدره، ولم تحص عليه قط كلمة سوء رمى بها غائبا، ولقد يجيئه أن فلانا هتف به بما لا يحب، فلا يزيد على أن يتقبض وجهه، وتتقلص شفته، ويومئ بالأسف إيماءة خفيفة دقيقة، ويعود سريعا إلى طمأنينة نفسه واستراحة عصبه؛ وهذا إذا كان من يلمزه ممن يعنى شأنهم، وإلا فلا يكون منه شيء أبدا!

وأما عفة رأيه وتفكيره، فإن هوى أو شهوة، أو طمعا في نفع، أو مصانعة لذي سلطان، أو تعلقا بالفلج،

4

وقهر الخصم إذا استكره على الجدل ولم يكن له منه بد، اللهم إنه لا يمكن لشيء من هذا ولا لغيره أن يغض من عفة تفكيره ونزاهة رأيه، كأنما يتعاظمه أن يسطو بهذه الحجة القارحة، التي آثره الله بها، على الحق، على حين أن الأكرم لها والأجدر بها أن يسلطها على الباطل فتكسره تكسيرا، وكأني به يأبى إلا أن يحصن هذه النعمة الجليلة على الزوال إذا هو بطرها فأنفق منها في غير إظهار الحق، وفي غير ما يرضي الله! •••

ضخم العقل والذكاء، ضخم العلم والتفكير، ينال بالنظرة الأولى ما لا ينال غيره إلا بشدة الجهد والمطاولة، وطول التفكر والتدبير، بل لقد يدرك بهذه النظرة ما لا يدركه غيره إلا بقائد ودليل، فهو رجل كأنه قد سفرت له وجوه الحقائق، وبذلت لعينيه ذات السرائر، ونفضت بين يديه ما أجنت في أطواء الضمائر، فما يغيب عن لحظه خافيها، بل لقد أضحى أدق نظريها

المختار · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٤٦