تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأعود فأقول لك: إن الصورة الشعرية، في هذه الحالة، وإن كانت خيالا في خيال، إلا أنها لقوة موقعها، ودقة صنعها تشبه عندك الصور الواقعة؛ بل لقد تلتبس عليك بالحقائق الثابتة، وكيف لا يكون لك في نفسك هذا الأثر، وهي نفسها قد تمثلت لإدراك الشاعر واضحة سوية، في غير تعسر ولا تعمل، فنفضها في الشعر عليك كما تراءت لذهنه، وتمثلت لحسه.

أرجو أن يكون قد صح عندك الآن أن أعذب الشعر، من هذه الناحية، أصدقه لا أكذبه.

الصناعة الشعرية

ولست أعني بالصناعة هنا إلا صناعة الخيال، فإنه إذا كانت الصناعات البديعية، لفظية وغير لفظية، قد أساءت إلى الشعر العربي إساءة بالغة، فإن الصنعة الخيالية لقد كانت في الإساءة أشد وأبلغ، وتلك أن الشاعر أو من يتصدى لقرض الشعر على العموم، لا يشعر شيئا ولا ينفذ حسه إلى شيء، فيبعث خياله من مجثمه، ويستكرهه استكراها على أن يصنع له صورة شعرية، فيمشي متعثرا ها هنا وها هنا في الارتصاد لما عسى أن يسنح له من المعاني واقعة حيث وقعت، حتى إذا لاح له شبحها، شكها ولو لم يتبين شخصها، ثم جعل يعالجها بالترويض والتذليل، ويضيف إليها ما ظنه من جنسها، أو ما حسبه مما يلابسها، ويطبع من هذه الأمشاج صورة شعرية «والسلام»، صورة لا الشاعر أحسها من أول الأمر أو تذوقها، ولا من يقرؤه شعر بالإلف لها، أو ذكا حسه بها!

وهذا الخيال المصنوع المتعمل المجهود به ليس من الشعر في كثير، وهذا على أرفق تعبير، بل إنه لأشبه بصنعة النجار أو الحداد في بسائط المصنوعات، بل إنه كثيرا ما تخرج الصورة الشعرية ملتوية شائهة، تخفى معارف وجهها على ناظمها، فكيف بقارئيه؟ وعلى عيني أن أقول إن شيئا من هذا يقع في بعض ما نقرؤه من شعر هذه الأيام.

ودعنا من الحديث الآن حتى نفرغ من شأن القديم، وخبرني بعيشك: أي شيء هذا الذي ساقه علماء البلاغة شاهدا على حسن التعليل؟

لو لم تكن نية الجوزاء خدمته

لما رأيت عليها عقد منتطق

وقول الآخر في هذا الباب أيضا:

لم تحك نائلك السحاب وإنما

حمت به فصبيبها الرحضاء

3

اللهم أفكان من السائغ في العقل أو في الذوق أو في الخيال أن نظرة الشاعر للجوزاء تحيط بها دقاق النجوم لم تلهمه إلا أنها إنما تمنطقت لتقوم على خدمة ممدوحه؟

وهل كان من السائغ أن نظرة ثاني الشاعرين في السحاب وهي تهمي، لم تشعره إلا أنها غارت من كرم ممدوحه لقصورها عن مجاراته، فأخذتها الحمى، فلم يكن ما تسح به إلا من عرقها!

اللهم اشهد أن هذا وهذا كلام بارد مليخ،

4

وهذا وهذا من الخيال الفسل

5

السخيف!

وبعد، فهذه فسولة الكلام وسخفه إنما ترجع في قرض الشعر، في الجملة، إلى أحد شيئين : إما لأن الناظم لا طبع له ولا شاعرية فيه، فهو يتصيد الخيال تصيدا ويصنعه صنعا، ليجيء بنحو ما يجيء به الشعراء، وإما للرغبة في شدة المبالغة، والإيفاء على الغاية من المديح ونحوه، فيسف الشاعر ويستخف، ويأتي بمثل هذا الهذيان الذي أتى به ذانك الشاعران، إلى أن طبيعة هذه الموضوعات ليس فيها مجال عريض لشعور صحيح، ولا لخيال واضح صريح، والحمد لله الذي عفى على كثير من هذا الأدب في العصر الذي نعيش فيه.

وانظر، بعد هذا، كيف يقول زهير بن أبي سلمى في مدح هرم بن سنان ووصف كرمه، وكيف، على أنه غلا في ذلك أشد الغلو، أتى لهذا الكرم بصورة قوية مسبوكة سائغة:

قد أحدث المبتغون الخير من هرم

والسالكون إلى أبوابه طرقا

من يلق يوما على علاته هرما

يلق السماحة منه والندى خلقا

وذلك لأن ممدوحه كان جوادا حقا، وأنه هو تأثر بشدة جوده حقا، وهو إلى هذا شاعر فحل، خصب الذهن سري الخيال، فلم يتعمل ولم يتعسف، بل لقد انتضح شعره بالصورة التي جادت بها شاعريته؛ فجاءت - على إمعانها في الغلو - سائغة مسبوكة لا نشوز فيها على الأذواق، وهذا هو الفرق بين الخيال المطبوع، وبين الخيال المصنوع. •••

المختار · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٤٢