تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك تستطيع أن تفرق بين الشاعر والعالم، بأن الشاعر في الجملة معط، أما العالم في الجملة فآخذ، الشاعر يبتكر ويستحدث بقلب الحقائق والتلفيق بينها وإفراغها في غير صورها وتلوينها بغير ألوانها، أما العالم فأبلغ جهده في تلقي الحقائق، فإذا كان له فيها استحداث أو ابتكار فبمجرد الانتفاع بما انكشف له فيها من الآثار، وما جلي عليه من مكنون الأسرار.

ولقد علمت أن الشاعر إنما يتكئ في فنه أكثر ما يتكئ على الخيال، حتى لقد ذهب أكثر النقدة إلى أنه ليس شعرا ذلك الكلام الذي يجري في الحقائق المجردة وإن كان مقفى موزونا، ولقد عرفت أثر الخيال في تلفيق الحقائق وتزييفها وطبعها على غير صورها الواقعة، لهذا نفى الله تعالى أن يكون كتابه الحكيم شعرا ونفى أن يكون رسوله الكريم شاعرا:

وما هو بقول شاعر ،

وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين

يرد جل مجده بهذا وبغيره دعوى الكفار أن القرآن شعر، على معنى أنه من تلفيق الخيال وتزييفه، كما رد دعواهم أنه سحر، والسحر ما يواري حقائق الأشياء، ويجلوها على صور تتمثل للأوهام بخداع الأسماع والأبصار:

سحروا أعين الناس ،

يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى

إنما الكتاب كله حق وصدق ومنطق صحيح

لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ،

إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ، وهذا هو الأليق بحجة الرسالة، وآيات الله المعلمة على طريق الهدى وعلى طريق الضلالة.

ومن البديه أن الشعراء لا يطلقون أخيلتهم في فنون المعاني لمجرد العبث بقلب الأوضاع، ومسخ الأشكال، والتلفيق بين الحقائق، إنما الغاية كل الغاية أن تجلو عليك هذه الأخيلة صورا طريفة بديعة لهذا الذي أدركته من الواقع، أو تترجم لك عما يدق عن فهمك من معانيه ومغازيه، أو تكمل لك وتبسط بين يديك ما ترى أن الطبيعة قد قصرت فيه وانقبضت دون حبكه وتسويته، ونحو هذا مما يرهف الحس، ويمتع النفس بمطالعة صورة من صور الجمال الفني في أي وضع من أوضاعه، وعلى أي شكل من أشكاله.

ولا شك في أن أبدع هذه الصور وأروعها، وأذكاها للحس، وأجملها موقعا من النفس، هي أدقها حبكا، وأحكمها سبكا، حتى إذا طالعتها التبست عليك بالحقيقة أو إنها لتكاد، وهنا تتفاوت منازل الشعر بتفاوت الشعراء في قوة التخيل، ورهافة الحس، ودقة الصياغة، وبراعة الأداء.

وفي هذا المقام يجمل أن نوضح معنى لعله يحتاج عند الكثير إلى التوضيح، قال المتقدمون: إن أعذب الشعر أكذبه، وهذا كلام صحيح إذا اتجه على أن أعذب الشعر ما كان من نسج الأخيلة لا ما وقع على مجرد تقرير الحقائق الثابتة، ولكننا إذا تحولنا بالنظر إلى ناحية أخرى من نواحي هذا الموضوع رأينا كذلك أن أعذب الشعر أصدقه: ولسنا نعني بالصدق هنا المطابقة للواقع، على تعريف أصحاب المنطق، وإنما نريد به الصدق في الترجمة عن شعور الشاعر، فأعذب الشعر في الواقع هو الذي ينفض عليك ما يعتلج في نفس الشاعر، وما يتمثل لحسه في إدراكه للأشياء.

ولا يذهب عنك أننا نحن سواد الناس تعرض لنا الأشياء فندركها، في الغالب، كما هي ماثلة لأعياننا أو لأذهاننا، وهذا الإدراك لا يتعدى ظاهر الصور، أما الشاعر، وأعني به من يستحق هذا الاسم، فله نظرة نافذة في مطاوي كثير من الأشياء تسلكها دقة حسه، وهنا يتقدم خياله السري فيسوي منها صورة جميلة بارعة، فإذا واتته قدرة النظم، فأداها كما أدركها، وجلاها كما تمثلت له، خرجت على حظ من الإحسان والإجمال يوائم حظه من قوة الخيال ودقة الذوق، وحسن الأداء.

والشعر الذي تتوافر له هذه الخلال هو الشعر الذي يروعك، ويصقل حسك وقد يغمز على كبدك، لأن الشاعر قد رفعك به إلى نفسه، فأشهدك ما لم تكن تشهد، وكشف لك من دقائق الأشياء عما لم تكن ترى، وبعث عاطفتك فحلقت في عالم الروح كل محلق، وترقرقت في سرحات الجمال كل مترقرق.

المختار · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٤١