وبعد، فهذا موضع النقد من الأدب، وهذا أثره فيه من قديم الزمان، ولا يذهب عنك أن هذا النقد، إذا استثنيت ما يتصل منه باللغة أو بقوانين النحو والصرف، إنما مرجعه في الكثير الغالب إلى سعة الخبرة بالأمور على وجه عام، وإلى شدة الفطنة، وصفاء الذهن، ورهافة الحس، وكمال الذوق، بحيث يتهيأ للناقد من النفوذ في باطن الكلام، والتفطن إلى دقائقه واستظهار ما فيه من حسن أو من مكنون عيب، ما يعيا عنه أكثر الناس، ذلك كان متكأ النقد ومصدر وحيه، لا ضابط له وراء ذلك من قانون، ولا من نظام مسنون.
بل إنه لكثيرا ما كان النقد يجري مجرى النكتة ويأخذ مأخذها في الكلام، أعني أنه قد يكون أثرا للمحة الخاطفة من الذهن، ما تعتمد على أصل ثابت من التعليل والتوجيه، وكثيرا ما كان يتعسف في هذه النكتة أيضا رغبة في التشهير واحتيالا على إسقاط الكلام، وإن من يتتبع كتب الأدب العربي ليقع له من هذا الشيء الكثير.
ولعل مما بعث على هذا وحمل النقدة عليه أن النقد إنما كان يوجه على كل بيت في القصيدة استقلالا، قل أن يسلك في عبارة نقدية بيتان أو أبيات، وذلك راجع إلى طبيعة الشعر العربي من عدم اعتبار القصيدة - في الغالب - وحدة ماثلة الشخص، واضحة الصورة، مستوية الخلق، ينزل البيت فيها منزلة الجزء من الكل، والعضو من الكائن الحي، لا يتشخص إلا بمجموعة الأعضاء.
بعد هذا الاستطراد اليسير نرجع إلى الحديث في أثر النقد في توجيه الآداب: وإذا كان للنقد مع هذا، ومع هذا كله، هذا الأثر البعيد في حياة الأدب العربي، فكيف كان يكون شأنه اليوم في ذلك، وقد أصبح للنقد مناهج واضحة، وطرق معبدة، وحدود مرسومة، وأصبح يتكافأ كثير من وسائله على قضايا العلم، وإن لم يزل للذوق فيه أثره البعيد؟ وعلى الجملة لقد أصبح النقد الأدبي فنا من أرفع الفنون في هذا العصر الحديث.
أقول كيف يكون شأن الأدب العربي اليوم لو جرت الطرق على أزلالها، وأخذ جمهرة نقادنا أنفسهم جاهدين بمذاهب النقد الحديث، على أن يكونوا في نقدهم نزهاء مخلصين، وعلى ألا يجروا أساليب النقد الغربية كما هي على كل ما يخرج لهم من آثار أدبنا العربي، فذلك إلى ما فيه من عسف وعنت، فيه أذى للأدب كبير، فإن مما لا شك فيه أننا نفارق القوم في كثير: نفارقهم في العقليات، وفي الأخلاق والعادات، وفي التاريخ والبيئة، وفي النظام الأدبي، كما نفارقهم في الأذواق، ولا يذهب عنا أن الأذواق هي مستمد الفنون على وجه عام.
لقد لاح لك ما يكون للنقد، إذا سار على هذا النهج، من عظيم الجدوى على أدبنا العربي، بانتخاله وتصفيته، ودفعه في طريق الكمال حتى يوفى بجهد الناقدين على الغاية لو كان للكمال حد مقسوم؛ فهل نحن الآن فاعلون؟
فوضى النقد الأدبي
الواقع أن الأمر ليس كذلك مع الأسف الشديد؛ هذا هو الواقع الذي يشركني في تقريره كثير، ويشركني في الإيمان به الجميع، وإن جحده من تميل بهم الأهواء عن قصد السبيل!
الواقع أن النقد عندنا أصبح فوضى ما تفتأ تستفحل وتستحصد، حتى بات يخشى أن يضل الناشئين عن كل أدب صحيح، إذا لم يأت بالفعل على كل أدب صحيح.
وإنني لأتقدم إلى تقرير هذا الواقع المر وتبيينه، لأنني امرؤ لا أنتمي - والحمد لله - لشيعة، ولا أتصل بحزب من هذه الأحزاب الأدبية القائمة في البلاد الآن، ولا يستطيع زاعم أن يزعم أني دعوت لنفسي أو دعوت لأحد من الأدباء في يوم من الأيام.
وعلة هذا، في تقديري، تعود إلى السعار الذي لحق كثيرا من متأدبي هذا العصر إلى طلب الشهرة ونباهة الذكر من أخصر طريق، وليس في هذه الطرق أخصر ولا أيسر من التهويش وصب المديح جزافا، وهيل الثناء وإضفاء النعوت وإفراغ الألقاب بغير حساب!
والأديب لا يستطيع أن يضطلع لنفسه بهذا وحده، مها يجد ويسرف في انتحال الأسماء والألقاب، يضيف إليها ما تفضل به في نعت نفسه من سابغ المقال، بل لا بد له في بلوغ الشأو وإدراك الغاية من الاستعانة بغيره على مهمه، وكلما كثر هؤلاء الأنصار والأعوان هان بالضرورة إحراز الشهرة في أقرب آن، وهؤلاء الأعوان لا ينهضون لهذه الخدمة بغير ثمن عيني، أي بدون أن يبادلهم صاحبنا المديح ويقارضهم الثناء، ومن هنا كان للأدب عندنا في هذه الأيام أحزاب وشيع هي أشبه ما تكون بالشركات المالية يساهم فيها الجميع، فتعود جدواها على الجميع!