تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللنقد فوق هذا مزية أخرى لا ينبغي أن تسقط من الحساب: ذلك بأن قيام النقدة وارتصادهم لما تنتضح به قرائح المتأدبين، من شأنه أن يدخل الحذر على هؤلاء ، فلا يتكئوا في شأنهم على البهرج يزيفونه للجمهرة تزييفا، بل إنهم ليجتمعون للتجويد، ويشمرون في تحري الإصابة والإحسان ما واتى جهدهم الإحسان، إن لم يكن للظفر بالثناء الرفيع يذهب به الصيت والذكر، فللسلامة على التهجين وسوء المقال.

ولقد شهدنا في عصرنا هذا من كبار الأدباء من لا يجلو على الجمهور شيئا من أدبه إلا بعد أن يعرضه على عنق من النقدة، فما أجازوه منه أمضاه، وما استدركوه عليه استدركه بالتسوية والتغيير والإصلاح، وما يفعل أحدهم ذلك لأنه ضعيف الرأي في نفسه، ولا لأنه لم يذهب بأثره إلى غاية الإعجاب، وإنما هو الخوف من النقد، والشهوة إلى استخراج الثناء ممن لهم في إذكاء شهرة الأديب ورفع صيته أثر كبير أو صغير!

ولا شك أن هذه الخلة في بعض أصحاب الأدب معيبة بمقدار ما هي ضارة، أما وجه العيب فيها فيما تدل على تخاذل الطبع، وإظهار الناس على عدم الثقة بالنفس، وأما وجه الضرر فلأن خير أدب الأديب ما يصدر عن نفسه ويترجم عن حسه، بحيث يكون صورة صادقة له هو، لا لمزج منه ومن سواه من الأدباء! ولا أحب أن أغفل في هذا المقام شيئا له خطره الشديد: ذلك أن الناقد مهما تبلغ دقته ونفوذ نظره ونزاهته عن كل هوى، لا يكفل له التوفيق على الدوام، فلقد يكون الرأي في كثير من الأحوال في جنب المنشئ الأديب لا في جانبه، هذا إلى أن موهبة الشاعر أو الكاتب أو المفتن على العموم، قد تنزع نزعة مستحدثة طريفة تنشز على مستوى العرف الفني القائم، فلا تلقى أول الأمر من الأذواق إلا إنكارا؛ فرد المفتن على هذا إلى ما شاع به العرف وانعقد عليه الذوق العام، صد للعبقرية عن سبيلها الذي لو قد تهيأ لها أن تطرد فيه لجاز أن تستحدث في الفن أعظم الأحداث، شأن جميع الفورات التي هي في الواقع شرع جديد لنظام جديد في أي سبب من أسباب الحياة، على أن ذلك العيب وهذا الضر لا يرجعان إلى النقد ولا إلى النقدة، وإنما يرجعان إلى طبائع هؤلاء المفتنين.

وكيفما كان الأمر، فإنني إنما أردت أن أبين خطر النقد على كل حال. •••

والنقد، ولا شك، قديم يقوم بقيام الفنون في كل زمان وفي كل مكان، فإن المفتن مهما يبلغ من صغوه لفنه، وصدق هواه إليه، ومهما يجد في ذلك من اللذة والاستمتاع، فإن لذته واستمتاعه إنما يكونان أتم وأوفى إذا ظفر من الناس، وخاصة من أصحاب البصائر، بحسن الرأي وجلالة التقدير، وأحسب أن المفتن الذي لا يدخل في حسابه هذا وما زال معه عقله لم يخلق بعد في الزمان، وما دام الحديث في النقد الأدبي فلنقصر الكلام على أهل الأدب، وإن كان المفتنون جميعا في ذلك أشباها.

وإذا قلت لك إن النقد قديم، فاعلم أن احتفال الشعراء والكتاب للنقد، وجهدهم في استخراج رضا النقدة، واستدراج ألسنتهم بالثناء عليهم والهتاف بآثارهم كذلك قديم، وإن من يتصفح تاريخ الشعر والشعراء من مطلع الدولة الأموية، وتاريخ النثر والنثار من يوم احتفل أهل البيان للنثر الفني في عصر الدولة العباسية، لا يتداخله أي ريب في هذا الكلام.

نعم لقد كان الأدباء، والشعراء منهم خاصة، يصانعون النقاد، ويعملون جاهدين على الزلفى إليهم ابتغاء المنزلة عندهم، وإيثارهم بألوان التبجيل والتكريم، وكثير منهم من كان يعرض شعره عليهم لامتحانه واختباره قبل طرحه على سائر الناس، إن لم يكن لحسن الظن بإدراك ملكاتهم، وحدة إحساسهم ورهافة أذواقهم، فلإطلاق ألسنتهم فيهم بحسن المقال، وإلا فكيف للمفتن بانطلاق الذكر وذهاب الصيت عند الجمهور، وليس له - في العادة - وسيلة إلى هذا إلا تقدير هؤلاء؟

وإني لأذهب في تقدير النقد، والإبانة عن خطر النقدة إلى ما هو أبعد من هذا من جليل الآثار، فإن أثر هذا إذا اتصل بشهرة الشاعر أو الكاتب والذهاب بصيته، فإن هذا الذي أرمي إليه هو جدوى النقد على الفن، وإن شئت تعبيرا أدق وأدل على بعد الأثر، قلت في بناء الفن نفسه وتأصيل أصوله، وتقعيد قواعده، وتفصيل فصوله، وحسبك في هذا الباب أن تعرف أن علوم البلاغة ما كانت لتكون لولا نقدة الكلام، إذ الواقع أن قواعد هذه العلوم، في الجملة، وأعني علوم البلاغة، إنما انعقدت بتقصي ما أثر عن نقدة الكلام في الأجيال المتعاقبة من الكشف عما يضمر هذا البيت أو هذه الجملة من معنى كريم، والدلالة على ما جلي فيه من نسج متلاحم ومن لفظ نير شريف، ومن التفطين كذلك إلى ما يقع من فسولة معنى، واستكراه لفظ، وتزايل تركيب، ونحو ذلك، فعلى هذا التقصي قامت علوم البلاغة على الجملة، بل لا حرج علينا إذا زعمنا أنها مدينة في قيامها لنقد الناقدين، ولعل بلوغنا هذا المعنى الذي استدرج إليه تداعي الكلام من غير سابق نية من أسعد الفرص التي تهيئ لنا أن نصارح بأن هذه، علوم البلاغة، على شأنها الذي انعقدت عليه منذ الأجيال الطوال، لم يصبح لها من الأثر، سواء في تحري ألوان البلاغات أو في إجراء مقاييس النقد، كثير من الغناء، فالبلاغة لم تكن قط في إصابة معنى مأثور، ولا في نظام لفظ موروث، ولا في استنان أسلوب معين من أساليب البيان، وإنها لم تكن كذلك في يوم من الأيام، وإنها لن تكون كذلك في يوم من الأيام، على أن هذا شيء قد وقع على سبيل الاستطراد، فلندعه إلى حديث خاص، فإنه قد يحتاج إلى كلام طويل. •••

المختار · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٣٢