تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما ذلك الإشكال الذي أسلفت الكلام فيه فكأني بصديقي الدكتور هيكل قد فطن إلى أنه لا يمكن أن يحل بجهد الجماعات، فلقد جربت مصر لهذا الغرض نفسه جمعية بعد جمعية، وبلت مؤتمرا بعد مؤتمر، فلم تظفر اللغة منها كلها إلا بخذلان، فالتفت بالأمل إلى جهد النوابغ الأفذاذ، وفي الحق إننا مدينون بكل نهضاتنا، والأدبية منها بوجه خاص، لجهد أولئك النوابغ الأفذاذ.

وقد رد الدكتور هيكل سبب انصداع المتأدبين إلى أنصار قديم وأنصار حديث إلى أن «مثل هذا الخلاف يرجع إلى قيام طائفتين اختلف تهذيب كل منهما، واختلفت ثقافتها عن الأخرى، فتعذر عليهما التعاون الواجب لخلق روح قومية للثقافة والأدب، ولن يزال هذا الخلاف ما بقي الاختلاف بين الطائفتين في التهذيب والثقافة، وما بقيت الأمة في علمها وأدبها كلا على سواها وعالة على غيرها» ا.ه.

وهذا كلام صحيح، وإن من يمن الطالع أنه في الوقت الذي تدور فيه هذه المناقشة تأخذ وزارة معارفنا أهبتها لإنشاء جامعة تضم إلى كلياتها العظيمة كلية للآداب خاصة، ولا شك في أنها ستروي طلبتها آدابا من آداب أمم الشرق والغرب، ولكن ملاك الأدب فيها ومادته وأساسه لن تكون بالطبع غير العربية، فليطمئن صديقي، فلن نلبث طويلا إن شاء الله حتى نظفر بأدبنا القومي، فلا نكون عيالا على غيرنا، وحتى تتقارب مذاهب أنظارنا باتحاد ثقافتنا، فلا يرى بين ناشئتنا الجديدة - على الأقل - ما يرى بيننا نحن من فرقة في قضية الأدب وانصداع.

فلننظر المستقبل في غبطة وأمل وارتياح.

كيف نبعث الأدب

4

وكيف نترواه؟

عرض وجلاء تاريخ

لا شك في أن من أهم نهضاتنا التي نتواثب فيها الآن ومن أبرزها نهضة الآداب: فلقد زاد عدد المقبلين على الأدب العربي والذين يعالجونه في هذا العصر بقدر عظيم، كما أعليت مكانته، وأبعدت أغراضه، وتلونت فنونه، وبعد أن كان يضطرب في أضيق مضطرب، ويتقلب في أفسل المعاني، ولا يستشرف إلا للضئيل التافه من الغايات : من المديح الوضيع الذليل، ومن الغزل المصنوع المتكلف، ومن فخر مكذوب لا يمت إلى مفاخر العصر بسبب، ومن وصف مفترى على الطبيعة، فلا هو مما ينتظم الواقع، ولا هو مما يخلع عليه الخيال الصناع صورة الواقع، ومن هجو تتلقط فيه المعايب والمقاذير من هنا ومن هنا لتعفر بها وجوه الناس عفرا، ونحو ذلك مما كان يجول فيه الأدب في الجيل الماضي، على وجه عام، وتتجرد في طلبه والتشمير له جمهرة المتأدبين، على أنه لم يكن له أي حظ من وجدان ولا من جيشان عاطفة، وكيف له بهذا وهو لم يذك له حس، ولم يخفق به قلب، وإنما أمره إلى حركة آلية لا تكاد تعود في مذهبها تلك الحركة التي تنبعث بها الصناعات اليدوية، إلى أن تلك المعاني، إذا صدق أن مثل ذلك مما تطلق عليه كلمة المعاني، كانت، في الكثير الغالب، تجلى في صور مترهلة متزايلة، لا يقوي بناءها أو يشد متنها شيء من جزالة اللفظ ومتانة الرصف، وتلاحم النسج، ولا يجتمع لتزيينها وتبهيجها شيء من حسن الصياغة وإشراق الديباجة وجمال النظام!

ولقد قيدت هذا «بالكثير الغالب»؛ لأن ذلك الجيل الماضي لم يخل من كتاب ومن شعراء أغلوا حظ الأدب، ففسحوا في أغراضه، وأبعدوا في مطالبه، وحلقوا بمعانيه، وأبدعوا في البيان، فاتسق لجلالة المعاني شرف اللفظ، وبراعة النظم، وإحكام النسج، وكذلك استوى من المنظوم والمنثور كليهما كلام يترقرق ماؤه، ويتألق سناؤه، ورحم الله إبراهيم المويلحي وإبراهيم اللقاني وأضرابهما في الكتاب، ومحمود سامي البارودي وإسماعيل صبري في الشعراء، فقد هدوا إلى حسن البيان السبيل. •••

وإذا كان الأدب يتمثل لأدباء هذا الجيل في صورة أبدع وأروع من الصورة التي كان يتمثل فيها لسلفهم القريب، كما أدركوا هم أن له مهمات أوسع أفقا وأبعد، مدى من تلك التي كان يدور فيها في ذلك العهد، حتى لقد أصبح يتقلب في جلى أسباب الحياة، بل لقد تجاوز أو كاد يتجاوز أفق الكماليات البحت إلى موطن الضرورات في الحياة الاجتماعية إذا كان المتأدبون قد أصبحوا يحلون الأدب هذا الموضع، ويتمثلونه على هذه الصورة، فذلك لأنهم طالعوا أدب الغرب ورأوا ما يتصرف فيه من مختلف الفنون، وما يتجرد له من جسام المطالب.

المختار · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٢٥