ونحن حين نتحدث عن أنصار القديم وأنصار الجديد نثر الحقيقة ونظلم الواقع إذا نحن نظمنا كل فريق في صف واحد، فإن أنصار القديم يبتدئون بقوم لم يتصل لأدبهم حس بحضارة القرن العشرين، وينتهون بقوم قد اتصل شعورهم بكل ما حولهم، وإنك لتراهم يستشرفون لكل ما يلامسهم من فنون الحضارة وحاجات العقل والتصور في هذا العصر، ويشكونه بالترجمة والتعبير ما استطاعوا بشرط ألا ينبو عنه الذوق العربي ولا تشمس عليه أساليب الكلام، وأما الآخرون فينتهون بطائفة لعلها لا تلمح شيئا من بهاء هذه اللغة ورونقها، ولا ترى لديباجتها وأسلوبها حقا ولا كرامة، وأولئك الذين لا يقع لكلامهم من العربية إلا مفرداتها، ولكن بيانهم نفسه ليس من العربية في شيء أبدا!
ولعله لا يشق على الفريقين أن يسقطا ذينك الطرفين من حساب هذا الخلاف، فيدعا أولئك مزملين بشملاتهم، ظاعنين على عيسهم، حتى إذا «وخدت» بهم يوما في شارع عماد الدين صدمها «المترو» صدمة جعلتها وجعلتهم «أنقاضا على أنقاض»، ويدعا هؤلاء في رطانتهم وعجمتهم، فإلى المالطية غايتهم وبئس المصير!
وبعد أن ينفض الطرفان أيديهم من تراب أولئك وهؤلاء لا يبقى إلا قوم تفقهوا في لغة قومهم، وحذقوا أساليبها، وهم مع هذا دائمو الاستشراف لما تطلع به الحضارة الحديثة من علم وفن، حراص على أن يشكوه بلغتهم وينتظموه ما استطاعوا في أساليبها النصاح، وقوم حذقوا العلم والفن يحبون أن يجلوهما على قومهم بلغة العرب؛ فهم دائمو البحث والتقري، علهم يعثرون بين محكم صيغها وروائع تعبيراتها على ما يمكنهم من أن يحملوه رسالة العلم الحديث.
وهذا هو الواقع والحمد لله، وإن من حقنا أن نغتبط كل الاغتباط بهذه النهضة الكريمة، نهضة العلم والفن الحديث، تجاولها نهضة اللغة والأدب القديم، ولن يخرجا من هذه الحرب إلا إلى الصلح والسلام، ولن يفضي بينهما هذا الخلاف إلا إلى الوفاق والوئام.
سيقول فلان من أنصار الجديد: إني ليعتلج في نفسي معنى لا أستطيع أن أنفضه في ديباجة عربية صحيحة، وسيبادره فلان من أنصار القديم بأن هذا أو قريبا منه قد وقع في تعبير المتقدمين فهاكه، وبهذا يحيا الأدب وتحيا اللغة معا. •••
لم يبق من مواطن الإشكال إلا فيما لم يعن فيه القديم على الوفاء بأداء الجديد، ولا شك أن أكثر هذا أو كله من مستحدثات العلوم والفنون، وكيف الحيلة في هذا، وما عسى أن يرى فيه أنصار القديم؟ أيرون أن يلينوا بقديم لغتهم حتى يتسع له؟ أم يرون أن يذاد جملة ويدافع ألبتة حتى لا يقع للعربية ما يفسد كرائم مفرداتها ويذهب بأساليبها النصاح؟ وكذلك تكتب الفرقة بين العلم والعربية إلى غاية الزمان!
وتلك مسألة لا يحلها إلا الزمن، وسيكون الفوز فيها للأنفع على كل حال.
3
على أن الحياة متحركة والمعاني تستحدث في كل يوم، ولا بد للعلماء والأدباء من أن يقولوا، وهم يقولون فعلا، وهم يؤدون أغراضهم بما يتهيأ لكل منهم من فنون الكلام، وهنا لا يسعني إلا أن أذكر بالخير كله أنصار القديم، فلولا غيرتهم وحرصهم على لغتهم، واستظهارهم لبدائعها، وتعقبهم لكل منحرف عن قوانينها، ناشز على أساليبها، لعفت اللغة، وتبلبلت الألسن، وتشعبت اللهجات، وأضحى هذا التراث الجليل أثرا من الآثار، وبخاصة في هذا العصر الذي هجمت فيه حضارة الغرب على أهل الشرق من كل مكان.
ومهما يكن من شيء فإن من أفحش الظلم أن يتدلى أنصار الجديد بمعانيهم في ألفاظ وصيغ لا تستقيم للغة إذا كان في فصيح العربية ما يغني في أدائها كاملة غير موتورة، وأحسب أن هذا موضع اتفاق بين الفريقين، وأرى أن حركتنا في هذا الباب مرضية - بقدر ما - إن لم تكن كاملة، فاللغويون يعرضون، والأدباء يستظهرون، والمترجمون يتحرون؛ ولغتنا كل يوم تتبسط لتتناول مختلف الأغراض.