ولقد نستطيع أن نصور هذا الخلاف ولا نحدده، ولقد نصوره بأن الشعر عند قوم لا ينبغي أن يتجاوز لهجة العرب وما كانت تستريح إليه أذواقهم، وبحيث لا يعدو لغتهم وقوانين بلاغاتهم، ويرى الآخرون أن الشعر كما هو مظهر الشعور ينبغي أن يكون مظهر حاجات العقل والفكر معا، فليس من حق الديباجة ولا من حق الأسلوب المتخير ولا من حق الذوق العربي أن تعترضها في هذا السبيل.
وكذلك حدث في الأدب عندنا: أهو مسألة عربية لغوية؟ أم هو المسألة الجامعة لكل مطالب العقل والتصور والخيال؟ مهما تنحرف عبارتنا في تصوير هذه المطالب عن أسلوب اللغة ولهجاتها وديباجتها المرتضاة؟
والذي يعظم في أثر هذا الخلاف أن اللغة العربية قد ركدت قرونا عدة انقبض فيها أهلها عن تقليبها وإجالتها فيما تجد الأيام من فنون المعاني، وفي هذه المدة لقد انبعث الغرب وتحركت فيه علوم كثيرة وفنون، وسطعت من أفقه في العالم مدنية جليلة تناولت كل أسباب الحياة، ثم هببنا نحن الآخرين من نومتنا الطويلة، ونحن في تثاؤبنا وفرك عيوننا، نبعث أيماننا فإذا لغة عظيمة راكدة في الشرق من عدة قرون، ونبعث شمائلنا فإذا حضارة هائلة شبت في الغرب من بضعة قرون، ولا بد لنا لنأخذ في أسباب العلم والفن والقوة، ولنجاري هذا العالم في حضارته، من أن نطابق بين قديم الشرق وجديد الغرب، ونعمل على الملاءمة بينهما، وما كان ليتسق لنا هذا، إذا هو اتسق، بمثل هذه السرعة التي يقدرها منا كثير، فالمطلب، في الواقع، حق عسير.
ولقد بدأ اتصالنا الحديث بالغرب في عهد محمد علي، إذ أراد أن يبعث العلم الحديث في هذه البلاد، فجاء له إلى مصر بمعلمين، وأشخص إليه من مصر متعلمين، ومن ثم ترجمت عن لغاته كتب في مختلف العلوم والفنون لتدرس في معاهد مصر بلغة البلاد، فجاءت مزجا من العامية والعربية والتركية والإفرنجية المعربة، ولم يكن إلى غير هذا من سبيل.
ثم جاء إسماعيل وبعثت الحركة العلمية فترجمت كذلك كتب لم تواتها اللغة العربية، ولم يكن من سبيل إلى أن تواتيها بكل ما عرضت له من أسباب هذه الحضارة.
وأنشئت لعهده مدرسة دار العلوم، وقام على تعهدها المرحوم علي مبارك باشا، وأتى لها بالأفذاذ من أقطاب اللغة العربية، مثل الشيخ حسين المرصفي، فرووا طلبتها أدب العرب، ولقنوهم متخير شعرهم وفنون بلاغاتهم، فخرج منهم ناظورة العلماء في اللغة والأدب العربي في هذه البلاد؛ وكانوا مثار نهضتها الجديدة في هذا الباب.
إلا أن هذه النهضة، مع شيء من الأسف كثير، كانت عربية خالصة، فلم تتصل بالعلم الغربي الذي هو ينبوع حضارتنا الجديدة، ولم تلائم بينه وبين اللغة العربية في كثير.
وإني لأستطيع أن أقول إن العلم بقي في ناحية، وبقيت اللغة في ناحية أخرى، وظل الأدب عندنا يجول في حفظ المعلقات السبع، ولامية العرب، وقصيدة ابن زريق، و«أفاطم لو شهدت ببطن خبت»، وفي رواية حادثة طسم وجديس، وحرب داحس والغبراء، وحرب الفجار، وحفظ صدر من مقامات بديع الزمان وأبي محمد الحريري، ونحو هذا وهذا، ويعيش أدبنا بهذا دهرا!
ثم جاءنا الشنقيطي، وجاءنا اليازجي، وجعلا يتسقطان الأدباء والكتاب والشعراء فيما يقع لهم مما لا يجري على قوانين الصرف، ولا تقره معجمات اللغة؛ ودعت هذه الحركة الجديدة إلى أن يشيع في الناس كتاب «درة الغواص، في أوهام الخواص» للحريري، وكتاب «لغة الجرائد» لليازجي، يستظهرهما المتأدبون، ويرتصدون للكتاب والشعراء يأخذون عليهم كل سبيل، فإذا قال كاتب: «أثر عليه» فلأمه الهبل ،
2
إذ هي: أثر فيه، وإذا قال شاعر «طبيعي» فما أجهله وما أقصر علمه، فإن النسبة إلى «الطبيعة» طبعي لا طبيعي، ويخرج ذاك غير كاتب مطلقا، وهذا غير شاعر ألبتة، وهل يكون شاعرا أو كاتبا من يسف هذا الإسفاف ويسقط كل هذا السقوط؟!