تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد جاء المتنبي، والمتنبي من أفحل من حذقوا لغة العرب وحصلوا غريبها، وممن خرجوا إلى البادية ليتعلموا لغة الأعراب ومنازع بلاغاتهم وطرق عيشهم، فهو من هذه الناحية غير متهم، لقد طالما أخذ إخذهم وجرى على سنتهم، ولكن للرجل عقلا عبقريا قد يسمو به عن هذا الأفق ويحلق به فوق هذا المستوى، فيدرك أشياء على غير ما أدركوا، ويتصور أشياء على غير ما تصوروا فينحط بها إلى الشعر.

ولقد يشعر بعقله لا بوجدانه، فيجري كلامه على منطق الفلسفة لا على منطق الشعر، ولقد يجازف في إصابة المعنى الذي ارتصد له بأحكام البلاغة؛ بل لقد ينشز على قوانين اللغة نفسها ما يبالي في كثير ولا قليل!

أتعرف موقع هذا من آراء علماء الأدب ونقدة الشعر؟

لقد قال بعضهم في غير تردد ولا تحبس: إن المتنبي ليس بشاعر ألبتة؟

وما كان هذا إنكارا منهم لفضل المتنبي ولا جحودا لخطره، ولكن لأن ما جاء به ليس من جنس ما يقوله الشعراء رعاية لقوانين الأدب، ومشاكلة لمنازع لهجات العرب. •••

ولقد أطلت الحديث هذه الليلة، وهذا الموضوع الذي نعالجه يحتاج إلى حديث بعد حديث، ولعلنا نوفق غدا إلى غاية الكلام إن شاء الله!

انتهى الحديث أمس بنا إلى أن قوما من نقدة الشعر قالوا: إن المتنبي على جلالة محله، لم يكن شاعرا ألبتة، ولقد تجد لأبي الطيب في بعض شعره من حسن النسج وقوة التعبير وسطوة الكلام ما تجده في شعر أبي تمام، وهذا في نحو قوله مثلا إذ يصف الأسد وما كان من تعفير سيف الدولة له بسوطه:

ورد إذا ورد البحيرة شاربا

ورد الفرات زئيره والنيلا

متخضب بدم الفوارس لابس

في غيله من لبدتيه غيلا

ما قوبلت عيناه إلا ظنتا

نار الثرى تحت الفريق حلولا

يطأ الثرى مترفقا من تيهه

فكأنه آس يجس عليلا

ألقى فريسته وبربر دونها

وقربت قربا خاله تطفيلا

فتشابه الخلقان في إقدامه

وتخالفا في بذلك المأكولا

أمعفر الليث الهزبر بسوطه

لمن ادخرت الصارم المصقولا؟

ولقد كان المتنبي يرق فيقول في مثل ديباجة البحتري، حتى لتحسبه ينظم من زهر الروض أو من نسم السحر:

حببتك قلبي قبل حبك من نأى

وقد كان غدارا فكن أنت وافيا •••

يا أخت معتنق الفوارس في الوغى

لأخوك نم أبر منك وأرحم

وغير هذا وغير هذا تجده في شعر أبي الطيب، ولكنه من القليل أقل، أما سائر شعره فمن نظم العقل لا من نظم القلب، ومذهبه إلى صحة الفكر لا صحة الديباجة.

ولقد حدثتك أمس أن للرجل عقلا عبقريا قد يسمو به عن هذا الأفق ويحلق به فوق هذا المستوى فيدرك أشياء على غير ما يجري في تصور جمهرة الناس، فينحط بها إلى الشعر ضغطا في غير تزويق، وعلى هذا لا تقوى على احتمالها مثلي ديباجة البحتري، وهي كما وصفها بعض أصحابنا من «الدنتلا» فتتمزق من دونها تمزيقا، بل لقد تضطرب بجانبها قوانين البلاغة، ولقد تنشز على الذوق العام.

ولقد أرى أن الموضوع الذي نعالجه بهذه الأحاديث - القديم والجديد - لم ينجم اليوم ولا في هذا الجيل، وإنما نجم مع شعر المتنبي من قرابة ألف عام.

على أن هذه المسألة لا يتهيأ حلها قبل الاتفاق على جواب هذه المسألة: ما الأدب؟ ثم ما الشعر؟

ولو قد تهيأت لنا معرفة حدهما والاتفاق على تعريفهما، لما تعذر علينا حسم النزاع في هذا الموضوع الذي نعالجه اليوم.

ولا أزعم أني وقفت للأدب أو للشعر على تعريف وقع عليه اتفاق الأدباء كلهم أو أكثرهم في أي عصر من العصور، ولا أزعم أني أستطيع أن أحد كلا منهما بالتعريف الجامع المانع؛ فذلك مني فوق الغرور، ولو قد تقدمت له لصادرت أحد الفريقين على المطلوب، لأن القضاء في هذا تسلف للقضاء في ذاك.

ولكن هذا كله لا يعني أننا لا نلمح وجه الخلاف، ولو بصفة عامة، بين أنصار القديم وأشياع الجديد، فلقد نلمحه على الأقل من الخلاف بين من قالوا إن المتنبي أكبر شاعر، وبين من ذهبوا إلى أن المتنبي ليس بشاعر ألبتة.

المختار · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٢١