قلت: وكيف كان ذلك جعلت فداك؟
قال: بينا أنا جالس هنا وقد انحرف عقرب الساعة عن العاشرة، إذ جاء غلام من ماسحي الأحذية، وأسر إلي أن هناك من ينتظرني في منعطف الحارة، ثم تركني ومضى مهرولا فتبعته، فإذا سيارة من طراز «إسبانيوسويس»، وبابها مفتوح، وقد قبض على «أكرته» الفضية «جروم» فتى كأنما صيغ من خالص الجوهر، وإذا صوت كأنه صوت كروان تحمله نسمة من نسمات السحر، وسمعت كلمة «ادخل»! فرفعت بصري فإذا جوف السيارة يضيء ولكن من غير سراج، فأدرت بصري الحائر، فإذا مبعث الضوء وجه يتألق تألق البدر، ليلة انتصاف الشهر! - ادخل! ادخل سريعا! - لعل في الأمر خطأ يا سيدتي؟ - ليس هناك خطأ، ألست فلانا؟! - نعم يا سيدتي! - إذن فأنت طلبتي، ولست أنا ممن يخدع على هواه!
وما كدت أظهر التثاقل والتمنع حتى جذبتني من يدي، وجعل «الجروم» والسائق يتظاهران كلاهما على دفعي من خلفي، وسرعان ما أغلق الباب، وأخذ كل من السائق و(الجروم) مجلسه في أسرع من رد الطرف، وطارت بنا السيارة كل مطار، حتى صارت بنا إلى غاية شارع الهرم، ثم انحرفت بنا في طريق الصحراء، وتدلى السائق وصاحبه، فعصبا عيني بمنديل حريري موشى الحواشي بالذهب، فارتعت وأخذ مني الذعر كل مأخذ، فأفرخت روعي، وحلفت لي بكل محرجة من الأيمان أنه لا يراد بي مكروه أبدا، وما زالت بي تلاطفني وتؤانسني حتى تطامنت وثابت لي نفسي.
وسرنا على هذا ساعة، ثم أحسست السيارة قد وقفت، وسمعت صرير بوابة تفتح، فنجوزها ثم تغلق، وبعد دقائق جزنا على هذا ببوابة أخرى، ثم بعد دقائق جزنا بثالثة، وأنا أشعر أثناء ذلك كله أننا نخوض حدائق غناء، تتضوع أزهارها، وتتغنى أطيارها، وأسمع لخلجانها آذيا وهديرا، ولجداولها مضمضة وخريرا، ثم وقفت السيارة وتدلى عنها الركب، وقادتني السيدة بيدها الناعمة فصعدنا أولا بضع سلاليم، ثم سارت بي قليلا وتقدمت إلى الخدم فرفعوا العصابة عن عيني، فإذا بي في بهو لا يتصور العقل سعة جنباته.
ثم جعل يصف لي ما حلي به من دمى وتماثيل وصور وتهاويل، ومنها ما نحت من المرمر، ومنها ما رصعت أطرافه بالدر والجوهر، مما لم يرد مثله عن الإيوان، أو عن قصر غمدان.
ثم مضت به إلى الطابق العلوي، ولا تنس أن الخصيان والجواري (البيض طبعا) وقوف صفين على طول الطريق، في أيديهم الشموع والمجامر تضوع بفتيت العنبر، وبالمسك الأذفر، حتى يأذن الله وينتهي المسير بإيوان، وإذا فيه أربعمائة فتاة كلهن أحلى من البدر، وأنضر من الزهر، وأبدع من الدهر إذا أقبل الدهر، وإذا هتاف يصم الآذان، وتصفيق يرج الإيوان، وإذا صاحبتي تصيح صياح مؤذن جاهد في الأذان: «لقد كسبت الرهان، فقد جئتكن بفلان!»
وتعزف الموسيقى وكل العازفات من الكواعب الأتراب، ولا تسل عن تهافت الفتيات عليه وتباريهن فيه إذا كان الرقص، وكان هصر القدود، أو كان عصر الخدود! •••
فإذا أنكرت علي، يا سيدي القارئ، إيماني بهذه «البطولة»، وإعجابي بهؤلاء «الأبطال»، فأنت امرؤ لا حظ لك في تذوق الشعر ولا في تقدير قدر الخيال!
| غواة؟
فإذا أباها علينا صديقنا الأستاذ صادق عنبر قلنا هواة، وأمرنا لله!
الواقع أن بعض إخواننا الموظفين هواة، أو على الصحيح عند العامة غواة، شديدو الكلف «بالغية»، وليس يقع هواهم على شيء مما يتكلفه الناس في هذا الباب، من حذق تصوير، أو حفر، أو تجويد ضرب على عود أو قانون، أو تربية الأزهار وتوليدها وتلوينها، أو الملاعبة بالحمام، والاشتغال بنطاح الكباش، ومهارشة الديكة، أو. أو. إلخ، فإن هواهم أو «غيتهم» إلى شيء آخر، أفتدري ما هذا الشيء؟ هو الكلام في «الحركة». فإذا كانوا من سلك القضاء كان الكلام في «الحركة» القضائية، وإذا كانوا من رجال الإدارة، فالكلام في «الحركة» الإدارية، وإنه لهوى يملك عليهم عواطفهم، ويستهلك أوقاتهم، فيطغى على لذائذهم جميعا.