وبعد أن يقص على «البطل» هذه القصة البديعة يأتي حفظه الله، إلا أن يجلو علي صورة طريفة يمثل لي بها «ترت» جياده، إذا هو شد على لجمها كي تمشي الهوينا ولا تطير بين الأرض والسماء، و«الترت» هذا بضم التاء الأولى والراء، يليهما تاء مشددة، هو في عرف هواة الخيل وساستها، الحركة المنظمة التي يرفع بها الجواد رجله، ثم يعود فيضرب بحافره وجه الأرض.
وهنا أشعر أن وجه صاحبي قد استطال حتى أشبه وجوه الجياد، وأرى أذنيه قد تدلتا حتى كادت تصيب أطرافها معقد الفكين، وأرى وجهه قد تربد، وعينيه قد احمرت أحداقهما، كأنه مقبل والعياذ بالله على شر كبير، وإني لأحس فكيه تقضقضان قضقضة المقرور، ثم ما هو إلا أن يثب في الغرفة فيتخطر جيئة وذهابا، وهو يثني ساقه كلما رفعها عن الأرض حتى يضرب بكعب رجله أعلى فخذه، حتى إذا أتى على «شوطه» ارتد إنسانا، ورأيت عليه من دلائل الفخار، ما هو جدير بأن يخلد له على وجه الأدهار، ما عاقب الليل النهار! •••
ولقد يدخل المجلس بالحديث في الصيد والطرد، ومعاناة الأهوال، في مقارعة الفيلة والأوعال، فيسرع «البطل» أيضا، وأعني به هذا الذي كان منه كل ما مر بك من الكلام، فيقول: بينا نحن في الصيد والقنص في إحدى الغابات المهولة، وهنا أرى واجبا علي أن أنبهك، يا سيدي القارئ، إلى أنه ليس من اللياقة، ولا من الذوق، ولا من أدب الإصغاء إلى الحديث، أن تعترضه بالسؤال عن موضع هذه الغابة، وهل يكون في الهند، أو في أواسط أفريقيا، أو في جنوب أمريكا، أو في بلاد المجر، أو في حديقة الأزبكية إلخ، فإنه ليس لك عليه، إلا أنها غابة مأهولة بسباع الوحش والطير، من أسود ونمور، ووعول وفيلة، وأيائل وقردة، وبواشق وصقور، وبوار ونسور! ... ليس لك إلا أن تعلم أنها غابة حافلة بكل أولئك، ولتقع هذه الغابة بعد ذلك من أرض الله حيث تشاء!
ويتم «البطل» الحديث، فإذا به قد انفرد ذات يوم عن الرفقة من الصادة وإذا أسد ضار يخرج عليه يمشي نحوه «مترفقا من تيهه»، ويتفقد صاحبنا «المسدس» فإذا رصاصاته قد نفدت كلها ما بقيت منها واحدة، فكيف العمل والأمر خطير والخطب جلل؟
لخير أن يبادر الأسد بالوثبة، ويعاجله بالهجمة، فيتناول بيسراه أسفل صدغه، أي صدغ الأسد، عند معقد الفكين، ويضغطها ضغطة شديدة ينفغر بها فمه، ولا يستطيع له بعد ذلك تحريكا، ثم يسرع فيدسس يمناه في جوفه حتى تصل إلى قرارته، ثم يجذبه من أسفله جذبة عنيفة حتى يخرج ذيله من فمه، أفرأيت كيف يقلب الجورب بأيسر جهد اليد؟ وكذلك أضحى الأسد ظاهره باطنه، وباطنه ظاهره، كما أضحى رأسه في مكان ذيله، وذيله في موضع رأسه؟!
ثم لقد يتلطف فيسأل الجماعة أن يزوروه في داره يوما ليطلعهم على هذا المنظر العجيب! •••
وبعد، فلو عرض الحديث لكنس الدار، أو لغسل «الحلل»، أو لجلاء «عساكر السرير»، أو لتمزيق الورق، أو لكيفية تجفيف العرق، لما عزه أن يجلو عليك «بطولة» له فيها، يعضدها بمختلف الشواهد، وينظم لها ألوان الغرائب عقودا وقلائد! •••
أما الغرام وأحاديث الغرام، فذلك ما سارت به الأخبار، وروته عن صحفها الرهبان في الأديار، ولست أطيل الحديث عليك يا سيدي القارئ، فلو قد ذهب ذاهب إلى استقصاء ما وقع في هذا الباب «لبطل» واحد من هؤلاء «الأبطال»، لما وسعته الأسفار الضخام، ولاستهلك تدوينه الشهور والأعوام، وعلى ذلك فقد عزمت على ألا أروي لك إلا نادرة واحدة من تلك النوادر، ولك أن تقيس عليها آلاف الآلاف، مما يقع لهم في كل ليل وكل نهار، على توالي الأزمان وتعاقب الأدهار:
كنت جالسا ذات عشية على حاشية أحد المقاهي، فصب علي القدر «بطلا» من جبابرة هؤلاء «الأبطال»، وما كاد يستوي إلى مجلسه من المنضدة ويسترجع نفسه من جهد السير، حتى قال لي: لقد حدث في ليلة أمس يا فلان شيء عجيب!