فتصور يا سيدي أنك نمت خلال تلك الساعات، فلم يرعك إلا النداء القوي المزعج يبعثك من أحلى رقداتك في الساعة السادسة: «ونبيض النحاس، ونبيض النحاس»؛ أو: «البدارى السمان»؛ أو غير ذلك مما يحمله أولئك الباعة المترفقون بأبدانهم المضطربون بسلعهم، وإني لأسمع صرخة الرجل منهم فأجزم بأنه لا يعرض سلعته على أهل الأرض، ولكنه إنما يعرضها على سكان الملأ الأعلى، حتى إنك لتكون في ضجعتك الهانئة بعد قضاء ليلك الأطول، فإذا بك قد هببت من نومك وأنت تظن أن الحرب قد نشبت، أو أن النار قد أكلت أثاث بيتك، أو أن سقوف الدار قد خرت على عيالك، فإذا الخطب كله أن بائعا ينادي «البدارى السمان» أو أن شحاذا يصيح: «من فطر صايم له أجر دايم هنيالك يا فاعل الخير»، والناس إنما يشترون صغار الفراريج ليطهوها لإفطارهم إذا نزلت الشمس للمغيب، ولا أدري لماذا يسشترونها في فجر يومهم، اللهم إلا أن يكون قد دخل في وهم أولئك الباعة أنها ستكبر عند «الزباين» وتسمن، حتى إذا دخل وقت الغروب استحالت «عتاقي» وأمست «بيجاوي». •••
أما أمر الشحاذين فأعجب وأغرب «من فطر صايم له أجر دايم إلخ» وذلك من منتصف الساعة السادسة صباحا، أي أن على الأمة أن تسهر، بحكم طبيعة رمضان، إلى الساعة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة صباحا، ولكن عليها في الوقت نفسه أن تهب من منتصف الساعة السادسة، وتشمر عن سواعدها وتنشط في «تقشير البصل»، وإنضاج «التقلية»، وخرط «الملوخية»، و«تقميع البامية»، و«تحمير البطاطس»، و«فلفلة الأرز» و«دق الكفتة» و«تسوية الكنافة»، و«قلي السمك البربون»، و«نقع الخشاف» للسادة الشحاذين!
نعم يجب على الأمة كلها أن تنثر أيديها من كل عمل إلا ما يجب عليها من معالجة الطعام وتهيئته لسادتها الشحاذين، حتى إذا حان وقت الإفطار قربت إليهم كل ما ساغ من لحوم طرية، وأطعمة شهية، وفواكه جنية!
وبعد فإن على الحكومة أن تختار بين أمرين: إما منع الشحاذين وحسم الباعة من أن يصيحوا ويهتفوا في رمضان قبل الساعة التاسعة على الأقل، حتى تستطيع الأمة أن تريح بدنها وتستجم لأعمالها، وإما أن تأمر بإلغاء شهر رمضان بتاتا، لتوفر الأمة جهودها على الباعة والشحاذين، بحيث «تنخمد» من الساعة التاسعة مساء ليتهيأ لها أن تهب من الفجر «لتشتري البدارى السمان»، أو «لتبيض النحاس»، ولتهيئ أشهى الطعام وأجنى الفاكهة لسادتها «الشحاذين» وعلى الحكومة السلام، وعلى الأمة هجر المنام وترك الصيام!
| الشحاذون ...!1
لا أعرف أن الدنيا تجمع طائفة من الناس أشد أثرة، ولا أورم أنوفا، ولا أعظم غرورا، ولا أبلغ تتايها على صرف الأيام من سادتنا الشحاذين المصريين! وأقول سادتنا الشحاذين لا على حكم التأدب ولا على جهة التهكم، كما يتبادر إلى ذهنك بادي الرأي! بل لأنه الحق الذي لا شك فيه، فهم سادتنا حقا، ونحن مواليهم حقا، فإن كان ما زال يختلج في نفسك الريب، فاسمع هذه القصة:
من يوم نجمت وجرت علي تكاليف العيش، وأنا أحيي ليالي رمضان بالسهر إلى السحور؛ وإلى أن ينجلي عمود الصبح، أسمع القرآن الكريم في دار أبي، وأجلس مع إخوتي وزوارنا للسمر، ولقد أمضي إلى مسجد السيدة زينب قبيل الفجر لأسمع من الشيخ أحمد ندا سورة طه، يرجعها صوته الفاخر ترجيعا، حتى يخيل إليك أن جبريل عليه السلام إنما يتنزل بها من جديد، فإذا أذن الشيخ بعد هذا بالفجر وقمنا لصلاته، جلسنا إلى حلقة أستاذنا الشيخ محمد أبي راشد فتلقينا علما طريفا تنبسط له النفس، ولا يطاول فيه الفهم، من قصص الأنبياء وكرامات الأولياء ونوادر الصالحين.
وإنني لأرى أنني قد أطلت عليك، وما بعثني إلا أن أثبت أن سهر ليالي رمضان أصبح عندي عادة جرت مني الآن مجرى الطبع.
ولقد كنت قاضيا في الزقازيق سنة 1925، ودخل علينا رمضان المعظم ونحن في صميم الشتاء، وأنا أقطن (وأنف منشورات الحقانية راغم) في القاهرة، ويبعث الله السماء، في ليلة عندي في مصبحها مجلس قضاء، ويتجاوز الطين والماء الطبيين، وبخاصة في أحيائنا «الوطنية»، وأنام تلك الليلة وأنا على شرف من الساعة الرابعة.