تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أتعرفون بماذا «يسرح» هذا الكون العظيم عامة نهاره؟

إنه يجول كله بثلاث ورقات «يا نصيب»، إحداها «إسلام»، والثانية «رومي»، والثالثة لا أدري!

أرأيتم كيدا أشد من هذا الكيد، وبلاء يعدل كل هذا البلاء؟

سيداتي، سادتي

بحسبنا اليوم هذا القدر في جماعات الباعة المضطربين ببياعاتهم في الطرق، ولنعد الآن إلى طائفة ماسحي الأحذية، وما أدراكم ما ماسحو الأحذية؟ ولا جزى الله خيرا ذلكم الذي اخترع هذه الأحذية الإفرنجية، حتى أغرتنا بأن نستبدل بها نعالنا البلدية، أعني «المراكيب» الحمر.

ورعى الله أيام «المراكيب» الحمر وأيام قصبة رضوان، ولو بقيت لأغنتنا عن رؤية تلك الوجوه في هذا الزمان! (وهنا أورد المحاضر طائفة مما وقع له من النوادر مع ماسحي الأحذية، وبها انتهت المحاضرة.)

| إلحاح ...!1

لا أحسب أن الله تعالى بعث خلقا من خلقه أشد إلحاحا من حمالي (شيالي) محطة منيا القمح، ولا أشد إلحافا من ماسحي الأحذية في منيا القمح، تكون في المحطة صاعدا أو هابطا، مسافرا أو مودعا أو مرتاضا، فيتهافت عليك من أولئك الحمالين من لا يحصون كثرة: هذا يحمل الخريطة (الشنطة) الكبيرة، وهذا يحمل الخريطة الصغيرة، وهذا ينتزع منك المعطف (البالطو)، وهذا يسل منك الشمسية، فإن لم تكن فالعصا إلخ، فإن لم يكن معك شيء من ذلك تحككوا بك وجسوا بأكتافهم صدرك وجانبيك معا، فعلة خفية (بوليس سري) يرتاب في أنك تدس في مطاوي الثياب «كوكايين» أو هارويين، لعلهم يصيبون «محفظة جيب» فيحملوها عنك إلى القطار حملا، فإذا أيسوا من هذه الناحية أيضا، سألوك أن «يقطعوا لك التذكرة»، فإذا أسعدك الحظ وكانت معك «تذكرة» ذهاب وإياب، سبقك اثنان منهم ففتحا لك باب المركبة ووقفا على طريقك في انتظار «الأجرة»!

أما ماسحو الأحذية هناك، فهم أشره وأطبع، وهم أنكى وأوجع، لقد تضع رجلك اليمنى على سلم القطار، والقطار على جناح السير، وتتعلق يداك بمقابض الباب، وتتهيأ لرفع رجلك اليسرى، وفي هذه اللحظة يلكز المساح ساقك اليمنى بصندوقه، ويهيب بك «بويه»!

فإذا جرى عليك القدر بالجلوس إلى المقهى القائم بإزاء المحطة في انتظار صديق مواعدك أو مركبة توافيك، فاللهم اشهد قسوة الإنسان على الإنسان: يثب إليك «البويجي» إذ أنت لم تأخذ بعد قرارك، فيطوح في وجهك بصندوقه حتى يمس أحيانا أرنبة أنفك، فتعتذر إليه فلا يسيغ لك عذرا، وتتشفع إليه فلا يقبل في نعلك شفاعة، بل إنه ليجلس على الأرض ويجذب - برغمك - رجلك فإذا ركلته بها جذب الثانية، فإذا أنت بين اثنتين لا ثالثة لهما: إما الرضا بهذه «المسحة»، وإما الانتهاء إلى «المركز» في جناية أو جنحة!

وقد اتصل بي أخيرا والعهدة على الراوي، لا علي أنا، أن مساحي الأحذية في منيا القمح قد ألفوا هم الآخرون من بينهم فرقا، كل فرقة ثلاثة: اثنان منهم يحملان «فلقة»، فإذا وقع للمقهى إنسان، أسرعا «فمداه»، وأقبل الثالث يمسح له الحذاء، وكان هذا لزائر منيا القمح نعم الجزاء!

| يا لطيف!1

تعلم أن رمضان يقظان الليل نائم النهار، يجمد الناس وتفتر الحركة في نهاره ويسهرون ليله، ويقضونه في وجوه السمر، ولهذا تؤخر الحكومة مواعيد افتتاح الدواوين والمصالح والمحاكم والمدارس، ولهذا تعطل المعاهد الدينية طوال الشهر المبارك، لأنه إذا كان قدر على الناس أن يسهروا عامة ليلهم في رمضان، فليس من المستطاع أن ينشطوا في الصباح الباكر لقضاء مصالحهم ومعالجة أسبابهم، على أنك فوق هذا، تجد سائر الأعمال جامدة راكدة في نهار رمضان، بحكم صيام الصائمين، واختلال أمزجتهم، وفتور أعضائهم من جهة، وبحكم قضاء الليل في السهر، وحاجة الناس إلى التزود من النوم في النهار من جهة أخرى، إلا أن إخواننا الباعة وسادتنا الشحاذين لم يسلموا إلى الآن بقضاء الله، ولا بقضاء الطبيعة، ولا بقضاء العادة، ولا بقضاء الحكومة، ولا بقضاء أمزجة الناس، وإنك لتقضي ليلك كله في السهر إلى الساعة الثالثة بعد نصف الليل أو الرابعة أو الخامسة، ويكون من حق الطبيعة، ومن حق بدنك عليك، ومن حق العمل الذي تعالجه أن تنام، على الأقل، إلى الساعة الثامنة أو التاسعة أو العاشرة، وإلا انهد جسمك، واختلت أعصابك، وفسد عليك شأنك كله

المختار · الصفحة ١٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٧٠