التجديد، ما هو؟
ولست أختم هذا الكلام دون أن ألم بمسألة كانت في هذه الأثناء، ولعلها ما برحت، من شغل الأدباء، وهي مسألة «التجديد ».
هنالك معركة مستحرة بين التجديد وأنصاره، وبين القديم وأوليائه، وأرجو أن تصدقوني إذا ادعيت بين أيديكم أنني إلى هذه الساعة لم أتبين وجه الخلاف الحق بين المتناضلين، على أنني أرجو أن نتفق في القريب على أن الأدب أيضا كائن حي يجب أن يشب وينمو ويتطاول إلى ما قدر له من كمال، على ألا تتنكر صورته، ولا يخرج عن شخصه.
مستقبل الأدب
سيداتي، سادتي
قدمت لكم أننا أبناء العرب قد تعارفنا بعد تناكر، وتلاقينا بعد تهاجر، واجتمعنا بعد فرقة، وتآلفنا بعد طول وحشة، على أننا لم نقنع بهذا، فلقد كان لاستيثاق الصلات بيننا وبين الغرب أثره في شدة إقبالنا على أدبه وتروينا منه، وطبع كل ما يسوغ طبعه على غرار أدبنا حتى ليمكن لهذا العصر أن يسجل ما أصبنا سواء في وسائل النقد أو في طرائق التفكير، وإن تعاون رجال العلم في بلادنا اليوم مع إخوانهم من الغربيين لعلى هذا من بعض الدليل.
وإنني لأرجو، بفضل أدبائنا العظام وقوة جهودهم، أن يفسح الأدب العربي لنفسه المكان الكريم بين سائر الآداب العالية، لا ليدل على نفسه فحسب، بل ليساهم، بحظ كبير في حركة الفكر، وفي تنعيم الذوق الإنساني في العالم المتحضر كله.
| حيرة الأدب المصري!1
قبل أن أخوض في هذا الحديث الذي يستشرف له القلم اليوم أقرر، ولعلي أفعل للمرة العاشرة، أنني بالذات - على كثر ما قرأت للمتقدمين والمحدثين - لم أقع للأدب على تعريف جامع مانع، على تعبير أصحاب المنطق، ولا أدري إن كان الفرنج قد عرفوا الأدب على هذا أم لم يعرفوه؟ فإذا تحدثت عن الأدب، فإنني إنما أتحدث عن الأدب الذي ألمحه، وهو الذي خرج في لسان العرب.
وكيفما كان الأمر، فإنني بالذات لم أقع - كما قلت - على تعريف يجمع حدود الأدب، ويدفع عنه ما ليس منه ... ولقد أهبت مرارا بأعلام البيان وأئمة المتأدبين أن يعرفوا لنا الأدب أو يدلونا على مواضع التعريفات الصحيحة له، فأمسكوا ولم تتدل أقلامهم بجواب!
وعلى كل حال، فإن الأدب إذا لم يضبطه تعريف جامع مانع، فإن موضوعه واضح في مظاهره، وفي الغايات التي يطلبها ويتطاول إليها، فما من أحد إلا يرى أن أبلغ مظاهر الأدب في نفض الأحساس الكامنة، والعواطف الجائشة، وتصوير ما يعتلج في أطواء النفس من ألوان الانفعالات بعبارات موسيقية تتدسس إلى نفس السامع فتثير منها كل ما يثور في نفس الشاعر أو الكاتب، ولا شك عندي في أن هذا أبلغ مظاهر الأدب وأجل غاياته.
وأخرج من هذا إلى أن الطبيعة البشرية وإن كانت، على وجه عام، واحدة في الناس، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، إلا أن لكل أناس على ظهر الأرض أخلاقهم وصفاتهم، وأسلوب تفكيرهم، وتصورهم للأشياء، وتقديرهم لها، ثم أذواقهم، وألوان عواطفهم وما يثيرها من فنون العوامل.
ذلك بأن لكل قوم أصلهم وتاريخهم، ورقعة بلادهم، ومناظر أرضهم وسمائهم، وما درجوا عليه من أخلاق مطبوعة، وعادات موروثة، وأحداث مأثورة وغير ذلك مما يطبع كل أمة على غرار خاص، ويجليها في شخصية تغاير ما عداها من شخصيات الأمم الأخرى، وما من فكرة تتحرك في العقل، أو عاطفة تعتلج في النفس، أو خيال يحلق في الذهن، إلا وهو مستمد من حقيقة واقعة أدركها الإنسان بإحدى حواسه الخمس، أما أن يختلق الذهن ما لا يتكئ على حقيقة واقعة، فذلك ضرب من المستحيل، وإذا بهرك أن الخيال قد يخلق من الصور ما لم تقع عليه عين أو تتصل به أذن، فاعلم أنه ملفق لا أكثر ولا أقل: ملفق كل ما يجلو من الصور من أجزاء يرجع كل منها إلى حقيقة يقع عليها الحس.
وبعد، فإنما نحن في تفكيرنا وتصورنا وما يحوك في أنفسنا من ألوان العواطف، وما تتعلق به أذهاننا من فنون الأخيلة، إنما نترجم عن تاريخنا، وعاداتنا، وبيئتنا، ومناظر بلادنا، وغير أولئك من العناصر التي طبعتنا أمة واحدة، هذا هو الشأن الذي ينبغي أن يكون لكل أمة، وعلى هذا ينبغي أن يكون الأدب في كل أمة.