موقف أبناء الثقافة الغربية منه
وقام بإزاء هؤلاء جماعة من شباننا قد استهلكهم الأدب الغربي، فلا يرون أدبا إلا ما قال شكسبير وبيرون وأضرابهما، وأدوا إلينا طريفا من هذا النظم في لغة ليس منها عربي إلا مفردات الألفاظ، ألفاظ يكاد المرء يشهد ما بينها وبين ما قسرت عليه من المعاني من التصافع بالأيدي والتراكل بالأرجل، ولولا ما يرتبطها من مثل قيد الحديد لطار كل منها إلى عشه، فخرج لنا من ألوان التعابير ما لا يرضي الذوق الشرقي، ولا يستريح إليه الطبع العربي!
وجعل كذلك جماعة ممن تعلموا في بلاد الغرب، بنوع خاص، يعالجون في العربية إصابة المعاني الطريفة التي لامسها حسهم، وهدتهم إليها أسباب تفكيرهم، فعجزت اللغة، أو عجز على الصحيح علمهم باللغة عن حق أدائها، فخرج لهم الكلام إما غامضا مبهما، وإما عاميا أو ما يدنو من العامي.
وبقي كتاب وبقي شعراء على ما تحدر إليهم عن آبائهم من صور الأدب: ضيق في الأغراض، وإسفاف في المعاني، وفسولة في الألفاظ!
وارتصد لهؤلاء أولئك أعناق من النقدة، خلص بعضهم لوجه اللغة، وبعضهم تجرد في الطريف، وإن شئنا قلنا في الغريب من المعاني، أولئك لا يرون في شوقي ولا في حافظ شاعرا، ولا في المويلحي ولا في الشيخ علي يوسف كاتبا! وكيف ذلك؟ ذلك بأنه قال: أثر عليه، إذ الصواب: أثر فيه، وقال: غير مرة، والصواب: أكثر من مرة! وهؤلاء لا يؤمنون بشاعرية البارودي لأنه لم يقع في كل شعره على الشفق الباكي، ولم يتحدث قط عن الموت اللازوردي!
على أنه من الإنصاف أن نقرر أن النقد كان له أثره في تقويم الألسن وتحري الفصيح من جهة، ثم كان له أثره الحي بعد لأي، في الاحتفال للمعاني وتعمد الإصابة من جهة أخرى.
تعريف الأدب اليوم
سيداتي، سادتي
كذلك كانت حالنا من ثلاثين سنة خلت، بعضنا يريد أن يرضي العقل المحض، وبعضنا لا يتجرد إلا في إرضاء اللفظ المحض، وبعضنا خلبته آداب الغرب، وفتنته تشبيهات شعرائه وكتابه، فهو يتصيدها واقعة حيث وقعت من ذوق الشرق ومن لغة العرب!
كنا إذن من أمر الأدب في بلبلة أو في شبه بلبلة، وما لنا لا نكون كذلك ونحن حق مختلفين على ماهية الأدب، مختلفين على ما ينبغي أن يؤديه الأدب ؟
ولكن الأستاذ الأعظم، وأعني به الزمن، قد أنشأ يلقي علينا من دروسه البليغة ما يقصر كل يوم من مدى الفرقة، ويوثق من أسباب الألفة، حتى اتفقنا، أو بتنا على شرف من الاتفاق على أن الأدب إنما هو أولا الأداة الجميلة لمواتاة مطالب العقل والحس والعاطفة جميعا، وتأدية كل شعورنا بما نلمس من أسباب الحضارة القائمة؛ على أن يترجم عن هذا كله لسان عربي ناصح، لا وحشة فيه ولا استعجام.
ولا شك في أن مظهر هذا الخير أجمعه هو الصحافة، فللصحافة بهذا الفضل ندين.
كنوز الأدب القديم
ومن الواقع الذي لا تلحقه الريب أن العربية القديمة زاخرة بكنوز البلاغة في جميع ألوان المعاني: فلقد مثلت فأبدعت في التمثيل، وصورت فأوفت على الغاية من دقة التصوير، ولكم ترجمت عن أعمق ما تدسى في النفس، وعبرت عن أشف ما يترقرق به الحس، ولكن لا تنسوا أنه ليس من العدل أن نجشم هذه اللغة أن ترتصد - بظهر الغيب - لإصابة كل ما عسى أن يجد من الأسباب بعد ألف عام!
إنشاء أدب قومي
إذن لقد أصبح مهمنا الأعظم اليوم هو استثمار تلكم الثروة الواسعة في تجلية شعورنا، والترجمة عن عواطفنا، والتعبير عن كل ما يلامس حسنا نحن فيما جل ودق من أسباب هذه الحياة، وبهذا نصل ماضينا بحاضرنا، وبهذا ندرك ما ينبغي لنا، لا من أدب عربي فحسب، بل من أدب قومي يطلق عليه التاريخ: أدب مصر، وهذا هو الجهد الجبار الذي يعانيه رجالات الأدب في مصر اليوم، وكثير منهم ماثلون في هذا المجلس الكريم.
ولكي أكون متسقا مع نفسي أقرر أننا لا نحاول أن نخلق لنا أدبا مصنوعا؛ بل إننا نتقرى هذا الأدب الذي يواتي عقليتنا، ويشاكل إحساسنا، ويرضي أذواقنا في هذا العصر الذي نعيش فيه، فنحن بهذا إنما نروض الأدب على حكم الطبع، ولا نروض الطبع على حكم الآداب!