تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما عليك إلا أن تسأل من شئت من أي طبقة من طبقات الناس الذين يقرءون الأدب العربي الحديث عن رأيهم في أدب عبد العزيز البشري، فستلقى منهم جميعا رضى وحبا وإعجابا واستعذابا، وسيختلفون في تعليل ذلك وتأويله. يلتمسون هذا التأويل وذلك التعليل في أمزجتهم الخاصة، وفي حظوظهم المختلفة من الثقافة، وفيما يكونون لأنفسهم من رأي في الأدب، ومن مثل أعلى في الفن، ولكنهم سيتفقون على أنه أدب محبب إلى الأسماع والنفوس جميعا. وقد حاولت غير مرة فيما بيني وبين نفسي، وفيما بيني وبين أصدقائي، أن أتعرف مصدر هذه الخصلة التي يمتاز بها أدب عبد العزيز، والتي تحبب أدبه إلى الناس - على ما يكون بينهم من اختلاف الطبقة وتفاوت المنزلة - وأحسبني وفقت إلى هذا المصدر ووضعت يدي عليه، وما أدري أيقرني عبد العزيز على ما أرى أم يخالفني فيه؟ وما الذي يعنيني أن يرضى عبد العزيز من هذا أو يغضب؟ فأنا لا أكتب لأرضيه ولا لأسوءه، وإنما أكتب لأقضي دينا وأؤدي حقا، ولعلي أن أرضي التاريخ الأدبي بعض الرضى.

وأول ما يبدو لي من مصدر هذه المزية التي يمتاز بها أدب عبد العزيز أنه جمع خصالا ثلاثا، فلاءم بينها أحسن ملاءمة، وكون منها مزاجا معتدلا رائع الاعتدال، فهو مصري قاهري كأشد ما يمكن أن يكون الإنسان مصريا قاهريا، يحس كما يحس أبناء الأحياء الوطنية، ويشعر كما يشعرون، ويحكم كما يحكمون، لولا أن ثقافته ترتفع به إلى هذه الطبقة الممتازة التي تحسن الحكم على الأشياء، وهو - على كل حال - قاهري الحس، قاهري الشعور، قاهري الذوق، وما أراه يجد مشقة يسيرة في أن يتحدث إلى أشد الطبقات في الأحياء الوطنية تواضعا، وما أراه يحتاج إلى أن يبذل جهدا ضئيلا في أن يبلغ من الحديث إلى هذه الطبقات رضى نفسه ورضى محدثيه، فهذه خصلة، والخصلة الثانية: أنه بغدادي الأدب كأشد ما يمكن أن يكون الأديب بغداديا، وقد عاشر أبا الفرج الأصبهاني وأصحابه، فأطال عشرتهم وتأثر بهم، وانطبعت نفسه وعقله ولسانه بطابعهم، فهو إذا تحدث إلى المثقفين تحدث بلغة الأغاني، لا يكاد يصرفه عن هذه اللغة صارف، إلا أن يأتي من قرارة نفسه المصرية القاهرية، فإذا هو يلقي النكتة المصرية بارعة رائعة لاذعة، ولكن لذعا يؤلم ولا يؤذي - إن أمكن مثل هذا التعبير - فهذه خصلة ثانية.

والخصلة الثالثة: أنه قد ألم بحظ من حياة المترفين الذين عرفوا الحضارة الغربية وذاقوها وتمثلوها، واستمع لأحاديثهم وشاركهم في هذه الأحاديث، فأخذ من هذه الحضارة الأوروبية شيئا يسيرا خفيف الظل قوي التأثير في الوقت نفسه، يستطيع أن يلائم مصريته الموروثة وبغداديته المكتسبة، فتكون له من هذه الخصال الثلاث مزاج غريب اشتركت في إنشائه بغداد والقاهرة وباريس.

اشتركت في تكوين هذا المزاج، ووفقت في هذا التكوين إلى أبعد مدى، إلى مدى لم توفق إلى مثله في تكوين كاتب من كتابنا المعاصرين، فأنت واجد عند الكتاب المعاصرين الظاهرين هذه العناصر الثلاثة كلها، ولكنك ترى العربية تغلب على هذا، والمصرية تغلب على ذاك، والإنجليزية أو الفرنسية تغلب على ثالث، فأما أن تتوازن هذه العناصر وتأتلف ويحب بعضها بعضا، ويطمئن بعضها إلى بعض، ويجتهد كل منها في أن يعين صاحبيه؛ فذلك شيء لا تظفر به إلا عند عبد العزيز.

ومن هنا كان أدب عبد العزيز مرضيا معجبا لطبقات المثقفين جميعا، إذا قرأه الأزهريون أعجبوا به؛ لأن فيه شيئا من الأزهر، وإذا قرأه أبناء المدارس المدنية أعجبوا به؛ لأن فيه روحا من أوروبا، وإذا قرأه أوساط الناس الذين ليسوا من أولئك ولا هؤلاء أعجبوا به؛ لأن فيه روحا من مصر، وإذا قرأه أهل الشام والعراق أعجبوا به؛ لأن فيه روح العربي الخالص القوي، والغريب أن التئام هذه العناصر قد أتاح لعبد العزيز ما لم يتح لكاتب آخر من المعاصرين ، فهو أكثر الكتاب المحدثين اصطناعا للنكتة البلدية. يصطنعها بلغتها العامية في غير تكلف ولا تحفظ ولا احتياط. يأخذها من حي السيدة أو من حي باب الشعرية، فيضعها في وسط الكلام الرائع الرصين الذي يمكن أن يقاس إلى أروع ما كتب أهل القرن الرابع والثالث للهجرة، فإذا نكتته البلدية العامية مستقرة في مكانها مطمئنة في موضعها، لا تحس قلقا ولا نبوا، ولا يحس قائلها قلقا ولا نبوا، ولكنها تفجؤه فتعجبه وتملأ نفسه رضى، ثم يحس أن الكلام ما كان ليستقيم لولا أن هذه النكتة قد جاءت في هذا الموضع واستقرت في هذا المكان.

المختار · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٠٩