تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا هذه الليلة! لقد رميتني فأصميت، وطعنتني فأرديت، وكأني بك وقد نفست بي على الموت، لا لأنك تؤثرين لي طول الحياة، بل لأنك تؤثرين لي طول العذاب!

آمنت يا هذه الليلة أنك كنت السهم في قوس الدهر، وأنك كنت النصل في رمح القدر!

النظرة الأخيرة

هذا ولدي يحمله حامله ويخرج به من داري إلى غير عودة أبدا، وإني لأتحامل وأجمع جسدي المحطم، وأجر ساقي المتزايلتين جرا، لأشيع إلى الباب ولدي بل لأشيع نفسي، وإني لأتزود منه بالنظرة الأخيرة، فإذا بي أحس أن كبدي وقلبي يسيلان كلاهما على عيني، فإن كانت بقيت منهما بعد هذا بقية فكالأسفنجة بعد شدة الاعتصار، ووالله ما أدري أكانت تلك النظرة أحلى ما ذقت في حياتي من ألوان المتاع، أم كانت أقسى ما شعر به حي من الحرق والآلام والأوجاع؟

اللهم اشهد أنني راض بقضائك، صابر لبلائك، شاكر لنعمائك، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

| مقدمة

بقلم طه حسين

رغبت إلى الأستاذ الصديق عبد العزيز البشري في أن أقدم الجزء الثاني من كتابه المختار، فتأبى علي وأظهر امتناعا ثم التواء، ولم أظفر منه بما أردت إلا بعد جهد وإلحاح، وما رغبت إليه في ذلك حرصا على كتابة فصل من الفصول، أو إيثارا لإملاء مقال طويل أو قصير، فالله يشهد لقد أضيق بالكتابة حتى أكره أن أسمع لفظها، وأتبرم بالإملاء حتى لا أسمح لصاحبي أن يتحدث إلي بذكر القلم والورق.

وما رغبت إليه في ذلك لأعرفه إلى الناس، وقد عرفه الناس قبل أن يعرفوني، ولا لأقدم كتابه إلى القراء، فليست آثار البشري من الآثار التي تحتاج إلى أن تقدم بين أيديها المقدمات، وإنما رغبت إليه في ذلك؛ لأني أرى له دينا في عنقي، وفي عنق كثير من المثقفين في هذا الجيل الذين يحبون الفن الرفيع من الأدب، ويحرصون على الاستمتاع به، ويخلصون له نفوسهم وعقولهم وقلوبهم وضمائرهم، فكل هؤلاء المثقفين قد وجدوا عند البشري منذ أوائل هذا القرن ما يرضي حاجتهم إلى الأدب العالي والفن الممتاز، وكلهم مدين له بساعات حلوة قضاها مستمتعا بلذة موسيقية رائعة، كان يشترك فيها سمعه وقلبه وعقله، وأيسر ما يجب للبشري عند هؤلاء أن يعترفوا له بالفضل ويسجلوا على أنفسهم هذا الجميل، ويشهدوا الأيام على أنهم ليسوا من الجحود والعقوق بحيث يقصرون في ذات كاتب عظيم كهذا الكاتب العظيم.

وما أحب أن يظن بي البشري مجاملة أو ملاطفة، أو مبالغة في القول، أو تزيدا في الثناء، فأنا أبرأ إلى الله وإليه من هذا كله في هذا الفصل الذي أمليه الآن. إنما هو ثناء صادق يصدر عن ضمير مقتنع اقتناعا صادقا بأن هذا الكاتب الأديب قد فرض على هذا الجيل لنفسه حقا ما أحسب أنه قادر على أن يؤديه أو ينهض به، وما أراه يبلغ من ذلك إلا أن يقدم إلى عبد العزيز البشري تحية مهما تكن فهي رمز متواضع يسير لما يشيع في النفوس، ويتغلغل في القلوب من شكر له، وإعجاب به وإكبار لفنه الجميل.

لست أدري أيرى الناس كلهم رأيي في فن عبد العزيز، ولكن الذين تحدثت إليهم في ذلك قد شاركوني فيما رأيت، ووافقوني على الصورة التي كونتها لنفسي من هذا الفن، وأخص ما يمتاز به أدب عبد العزيز أنه حلو سمح خفيف الروح، لا يجد قارئه مشقة في قراءته، ولا جهدا في فهمه، ولا عناء في تذوقه وتمثله، ومن الفنون الأدبية الرائعة ما يكون شاقا عسيرا، وغامضا ملتويا، وما تكون اللذة التي يؤتيها نتيجة لمشقته وعسره، وأثرا لغموضه والتوائه، فهو فن مقصور على الخاصة، أو على جماعة ضيقة من الخاصة، ومن الفنون الأدبية ما يكون سهلا يسيرا وقريبا داني المنال، لا يلتوي على أحد ولا يشق على طالب، ولكن إمتاعه لقرائه يسير مثله، ليس عميقا ولا بعيد المدى، لا يكاد يذاق حتى ينسى، ولا يكاد يستمتع به حتى ينقضي العجب منه والرضى عنه والرغبة فيه، فهو إلى أن يكون فنا لتمتيع العامة وإرضائها أدنى منه إلى أي شيء آخر، وليس أدب عبد العزيز من هذا ولا ذاك، وإنما هو أدب لا تنقطع أسبابه بينه وبين أوساط المثقفين، ولعل الأسباب أن تتصل بينه وبين عامة الناس، ولعلهم أن يجدوا فيه اللذة القوية إذا قرءوه أو سمعوا له، ولكنه مع ذلك - بل من أجل ذلك - يرتفع ويرتفع، حتى يرضي خاصة الناس ويبلغ إعجابهم، وينزل من قلوبهم أحسن منزل، ويقع من عقولهم وشعورهم أجمل موقع وألطفه، فهو فن ميسر ممهد موطأ الأكناف، فيه دماثة الرجل الذي حسنت أخلاقه، ورقت شمائله، وظرفت نفسه، واعتدل مزاجه، فهو محبب إلى الناس جميعا، مقرب إلى الناس جميعا، ويرغب الناس جميعا في صحبته، ويكلف الناس جميعا بعشرته، ويتحرق الناس جميعا إلى لقائه، ويعجز الناس جميعا عن فراقه وبعد العهد به.

المختار · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٠٨