تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والشيخ، على ما أفاء الله عليه من الثراء العريض والنعمة الواسعة، ما زال يتخذ دارا متواضعة في زقاق ضيق خلاف ميضأة الحنفي، على أنه طالما أتعب سماسرة البلد في المساومة على ما يعرض للبيع من قصور الزمالك، والجزيرة، وقصر الدوبارة، «وجاردن ستي»، فإذا جاءوه بالبيت وكان ثمنه عشرين ألفا طلبه بالخمسة عشر، وإذا كان بخمسة عشر صمم على العشرة، وهكذا ما زال الشيخ جاهدا نفسه وجاهدا معه سماسرة البلد من عشر سنين مضت، فلا هو يشتري ولا يقعد عن التماس القصور، على حد قول الشاعر: «فلا أمل ولا توفي المواعيدا!» وما له ولقصور الدنيا تلك التي تستفتح الخزائن وتستخرج الأموال وتجشم النفقات، وفي الجنة قصور من الزمرد ومن اليواقيت ومما تقوم اللبنة فيه من الفضة وأختها من الذهب وهي لا نفقة فيها؛ فالطيبات كلها وألوان الترف تجري على أصحابها من غير كلفة ولا عناء. ولمولانا الشيخ منها، بعد العمر الطويل، ما لا يحصى جزاء الزهد في الدنيا والرغبة عن قصورها ومتاعها «وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟»

نسأل الله جل وعلا أن يمط في عمر الشيخ أبي الفضل في الدنيا وأن يسعد في حاله، ويزيد في ماله؛ فلا تقوم بجانبه البنوك، ولا تجوز بغير توقيعه الصكوك، وأن يخصه بكل ما تجبيه الأوقاف والحوانيت والشركات والمصارف، من أول الإسكندرية إلى أقصى القضارف. آمين.

| عزيز عزت باشا

مظلوم من الطبيعة، ومظلوم من الحكومة، ومظلوم من الناس، ومظلوم من نفسه. شاع فيه المرض أو توهم المرض «أو ما تراه أعظما وجلودا؟» فهو يخشى الطعام لئلا يدركه البشم، ويخشى الشراب لئلا يلح عليه السقم، ويخشى المشي خوف تعب القلب وخفقانه، والتلفت اتقاء وجع الجنب وضرباته، والحديث فإنه يرهف العصب، والكتابة فإنها مدعاة للكد والنصب. ولا بد له من أن يطعم ليعيش، فإذا قربوا إليه الطعام دفع صحاف اللحم أبيضه وأحمره، لأن أضراسه لا تقوى على قضمه، ومعدته لا تضطلع بهضمه، وإذا جاءوه بالخضر صدف عن هذا ففيه حديد، وهذا لكثرة ما يحوي من «الأسيد»، وهذا لأنه وشيك التحجر، وهذا لأنه سريع التخمر، وهذا لأنه يستحيل في الأمعاء غازا، وهذا لأنه لا يجد في «الاثنى عشري» مجازا، ثم مد يده في خوف ووهل

1

فتحيف من إحدى الصحاف قطعة من «البطاطس» مسلوقة مدقوقة، قد بالغوا في عركها، وألحوا في فركها، ولم يعالجوها بدهن ولا مرق، حتى إذا أساغها بعد طول مضغ وهرس وترديد على كل ثنية وكل ضرس، مضى يطلب لهضمها من العقاقير كل ما أخرج أطباء الإنجليز والألمان، والفرنسيين والأمريكان مما يدر عصير المعدة، ويحرك الأمعاء، ويشد المصران، ويقوي «الضفيرة الشمسية» ويمنع التخمر، ويشتف الغازات، ويجتاز «الحجاب الحاجز » فلا يضغط القلب، ثم راح يشكو هؤلاء جميعا!

لا يغرنك سهولة المرتقى إذا كان المنحدر وعرا.

وعزيز باشا عزت كبير الرأس، له وجه شاحب طويل على جسم رفيع طويل، لو وقف أمامك ولم يتحرك لخلته عصى خيزرانة ركب عليها مقبض من العاج!

وقد نجم من بيت حسب وغنى، وتعلم في صدر شبابه في مدارس مصر، ثم شخص إلى إنجلترا فتلقى العلم في مدارسها، ثم دخل في جامعة «ولش» العسكرية حتى إذا طوى فيها سنين طالبا مجدا متفوقا، خرج منها ضابطا في الجيش البريطاني، ثم استقال وعاد إلى مصر، فانتظم في خدمة الحكومة المصرية حتى قلد وكالة الخارجية إلى أن كانت وزارة محمد باشا سعيد الأولى، فلم ير أن يبقى في وزارة الخارجية وكيلا، فنزح بأهله إلى لندن وأقام فيها كل هذه السنين.

وهو رجل وافر الذكاء، غزير العلم، جم الأدب، صادق النبل، وبهذه السجايا استطاع أن يحرز في بلاد الإنجليز مكانا رفيعا.

ولما جاء دور اختيار السفراء قلدته حكومة جلالة الملك فؤاد الأول سفارة لندن، وكان اختيارا موفقا من ناحية ما للرجل من سعة العلم وصدق النبل ووفرة الغنى والمنزلة في عظماء الإنجليز، إلا أن الرجل، مع الأسف، كما أسلفت عليك مريض، ولعل المرض هو الذي شغله عن متابعة الحركة المصرية ومدارسة قضيتها، وتفهم ظواهرها وخوافيها، فلم يكن ذلك المعوان الذي يتكئ عليه رجال السياسة في معالجة القضية المصرية كلما جدت عظيمات الأمور.

في المرآة · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ٤٣