تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما لنا لا نغتبط بهذا ولا نباهي به وقد كانت كل «العمليات المالية» في أيدي الإفرنج واليهود والأروام والأرمن، وها هي تي الآن تستخلصها من براثن أولئك الأقوام، أيدي سادتنا العلماء الأعلام. •••

والشيخ أبو الفضل الجيزاوي رجل عصامي حقا؛ فقد خرج من بلدته الوراق من أعمال مركز إنبابة إلى الأزهر، وجد في طلب العلم، وكدح في ذلك كدحا عنيفا قام عنده مقام شدة الذكاء وقوة الاستعداد، وانتهى أمره، لا أدري بأية وسيلة، إلى المرحوم الشيخ العباسي المهدي الذي كره له لقبه فدعاه «أبا الفضل» فذهب له هذا اللقب من ذلك اليوم. ولما استوى عالما مدرسا كان المرحوم العباسي يعتمد عليه في بعض وسائل امتحان العالمية في الأزهر. ورأى الشيخ «أبو الفضل» أن «يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا كما يعمل لآخرته كأنه يموت غدا» فحرص على جمع المال وجد في تثميره من أيسر الوسائل، وكم واسى به عاتيا، وكم فرج به كربة محتاج؛ على أن الله تعالى، الذي لا يذهب العرف بينه وبين الناس، قد أنعم عليه وجازاه فيما أعطى أضعافا مضاعفة. وله في هذه المكارم أحاديث مأثورة، وصحف لا تزال مقروءة منشورة.

وظل الشيخ «المالي» مدرسا في الأزهر معروفا بشدة الاجتهاد والمطاولة في الدرس، وقوة الصبر على التفهم وتصيد الشكوك ومدافعتها، على عادة الأكثرين من علماء الأزهر في عهده، فكان درسه من أحفل الدروس بطلبة هذا النوع من التعليم.

وهو رجل معروف بحب القرآن وتلاوة القرآن، فلم يتبطر وهو عالم كبير، ومالي شهير، على أن يلي مقرأة السلطان الحنفي لقاء ريال في كل شهر، وعشرين رغيفا في كل أسبوع.

ثم ولي مشيخة معهد الإسكندرية وظل فيها إلى أن أفضت إليه مشيخة الإسلام في سنة 1916 أو 1917م، وبلغ من حب الرجل للقرآن واحتفاله للقرآن ألا يتنحى عن مقرأة السلطان الحنفي وهو في ذلك المنصب الجليل! ويأبى الله إلا أن يفسح له في الخير ويبسط له في الرزق، فبعد أن كان مرتب شيخ الإسلام ستين جنيها في الشهر أضحى ألفي جنيه في العام، وبعد أن كان ثلاثين رغيفا في اليوم أصبح ثلاثمائة، إلى ما أضيف إلى ذلك من وظائف عدة تجري على مولانا الشيخ الأكبر في كل شهر مكافأة على حضور مجلس إدارة مدرسة القضاء الشرعي، وأخرى لمدرسة دار العلوم، وثالثة على حضور مجلس الأوقاف الأعلى، ورابعة لمجلس البلاط، وخامسة وسادسة وسابعة وثامنة، إلى تلك الأوقاف الواسعة التي دخلت على مشيخة الأزهر والتي لا يعلم حسابها إلا الله تعالى. وما شاء الله كان.

والشيخ أبو الفضل الجيزاوي متوسط القامة بين الطول والقصر، قصير العنق، عريض الألواح، متوافر اللحم لولا أن رهل لحمه بحكم التسعين؛ أخيف العينين، خفيف شعر العارضين، كوسج اللحية، أرت اللسان، إذا تحدث تمتم فلا تكاد تستبين له إلا بالعناء قولا، وقد أصبح من المرض وتزاحم السنين أشبه بمومياء، حتى لو قد استدرجته يوما إلى دار الآثار ما استطعت أن تستخرجه منها إلا بعد جدال وجهد في الإثبات ... وهو وإن تهدم جسمه، وإن خمد ذهنه، ما يزال فتي الرغبة في المنصب. وإن الحفلة الرسمية لتعقد، وللشيخ كل عذره في التخلف عنها لمعالجة ما هو أشبه بالموت، ولكنه يأبى إلا أن يحمل إلى الحفل حملا إدحاضا لما يتقول على صحته المتقولون.

وللشيخ مزيته التي لا تنكر، فهو شديد الحرص على إطاعة كل ما يؤمر به ممن يستدرج الأمر منهم، إذ الرجل واسع العلم بأحكم الفقه وما تتغير عليه في كل حادث آراء الفقهاء، فلا يعجزه أن يبرئ ذمته في أي حادث بجواب، مهما اختلفت العلل وتنوعت الأسباب.

ومن طريف ما يذكر لمولانا الشيخ في هذا الصدد ويدل على عظيم تصرفه وحاضر حجته أن عالما يمت لنشأت باشا بالصهر، وقد نال إجازة التدريس من الأزهر على أنه شافعي المذهب، وبعد سنين تقدم إلى الامتحان في فقه أبي حنيفة توسلا إلى تقلد منصب القضاء الشرعي، فلما طرح اسمه على لجنة اختيار القضاة الشرعيين، ولم يكن لنشأت باشا في ذلك اليوم شأن ولا خطر، عارض مولانا الأكبر في تعيين ذلك الشيخ بحجة «أنه شافعي». وتدور الأيام ويقبض نشأت باشا على كل السلطة في الحكومة - كما تعرف - فيرد اسم الشيخ صهره على اللجنة، ويتبارى بعض الشيوخ من أعضائها في تزكيته وتبيين مزاياه، ويؤمن على شهادتهم فيه مولانا الأستاذ الأكبر هاتفا بهم: ولا تنسوا أنه مع كونه عالما حنفيا فهو يجيد «فقه الشافعي» أيضا!

في المرآة · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ٤٢