ولقد كان سعد وعدلي وثروت وصدقي من فجر النهضة حزبا واحدا، يدينون برأي واحد، ويسعون لغرض واحد، فهل يعد عليهم اليوم أن تنحسر الفتنة بينهم، وأن يعودوا كما بدءوا قلبا واحدا، وقد جدت الأحداث، لإنقاذ حياة البلاد؟! •••
ولعل صدقي باشا يمتاز عن أصحابه بشدة العصبية لأهله ومعشره، فلا يفتأ يتفقدهم ويتوافى لهم ويصلهم بكل ما دخل في ذرعه، ولقد يفرط في هذا إلى الحد الذي يبعث ضعاف الأحلام، على إنكار ما أوصت به المكارم من صلة الأرحام!
وصدقي باشا، في بابه، عدة قوية للبلاد، وهو لا يكل من العمل، على فرط ذكائه، ولا يمل. ومما تحدث به عنه أعرف الناس به، أنه حين كان وزيرا للمالية لم يكن يرهق كبار موظفيها بطول المراجعة والاستخبار، بل كان يتكئ على فطنته واختباره وحدهما في مذاكرة ما يدفعونه إليه من الأوراق. ومما تحدثوا به عنه في هذا الباب أيضا، أنه كان في غاية اليوم تحمل إلى داره خرائط ثلاث أو أربع تجن كل ما يجري من الأعمال في وزارة المالية، فيكب على دراستها من الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي فلا تدخل الساعة التاسعة إلا وقد قتلها بحثا ومراجعة، واستوى له في كل منها الرأي النصيح.
وإن خطئا عظيما ألا يستخدم على الدوام للنفع العام، فإذا أخذه شانئوه بهنة فما كان هذا ليتنقص أقدار الرجال، إلا إذا تنقصت الكهوف أقدار الجبال، ولعلهم في هذا أيضا كانوا مسرفين!
من صدقي باشا إلى محرر المرآة
وقد تفضل حضرة صاحب المعالي إسماعيل صدقي باشا، فبعث إلى محرر «المرآة» بالكتاب الآتي:
عزيزي الأستاذ الفاضل
أشكر فضيلتكم كثيرا لمرآتكم الناصعة وإن كنت لا أخفي عنكم أنني لم أتعرف صورتي تماما خلالها، بل أخشى أن تكونوا قد بالغتم في تجميلها وتزيينها.
وأرجو قبول تحياتي.
المخلص
إسماعيل صدقي
17 يناير سنة 1927 «محرر المرآة»: وليس لي يا مولاي ما أقوله في هذا المقام غير قول الشاعر:
فلو «صورت» نفسك لم «أزدها»
على ما فيك من شرف الطباع
| علي الشمسي باشا
لم يكن علي الشمسي من يوم نشأته منكور المحل، وأول عهد الجمهور به يوم كان في سويسرا يطلب العلوم العالية، فكان طالبا مجدا متفوقا، وكان إلى جانب ذلك حركة وطنية قوية تدعو لمصر المضطهدة وتطلب لها الحرية في صميم بلاد الحرية. نعم، كان الشمسي في أوروبا أقوى صدى لصوت الحزب الوطني في مصر، وأتم تحصيل علومه ونال عليا الشهادات من أكبر جامعات سويسرا، وعاد إلى بلاده، فظن الناس أن «وظيفة» تمهد في الحكومة لهذا القادم الناجح الجديد، فإذا به يعدل إلى دار الحزب الوطني وينتظم من فوره عضوا في مجلس إدارته. وهكذا كان الشمسي درسا بليغا في التضحية خالصة لوجه الوطن، ومن حيث علم من لم يكن يعلم أن التلميذ يتعلم في مدارس مصر، حتى إذا تاقت نفسه إلى طلب العلم العالي هاجر إلى بلاد الغرب، فلبث سنين طوالا بعيدا عن أهله وأحب الناس إلى قلبه، وأنفق ما شاء الله أن ينفق من مال وعمر، وأدركه ما شاء طلب العلم من كد ذهن وإرهاق عصب، حتى إذا برع وحاز أسمى الألقاب العلمية، عاد إلى بلاده لا ليطلب بهذا كله عند الحكومة مرتزقا، ولكن ليطلب به «وظيفة» جندي مجاهد في سبيل الوطن!
وكان علي الشمسي في الحزب الوطني قوة كبيرة، لا في جهارة الصوت، ولا في كثرة الترائي للجماهير، ولا في سبب من أسباب الظهور، ولكن في صحة الرأي وبعد النظر وسلامة التدبير، حتى إذا بعثته ضرورة الحال للخطابة، أسمع الناس كلام وطني شديد الوطنية، في عبارات سياسي محصه العلم ومرسته تجارب الأيام.
وهنا يحلو لي أن أقرر ملاحظة صغيرة: تلك أنه لم يكد يخرج رجل فينا إلى ميدان السياسة إلا جاز إليه بالحزب الوطني والتشيع بادئ الرأي لمبادئه. والوجه في هذا - على تقديري - أن الحزب الوطني حزب الشباب حقا، وأن مبادئه مبادئ الشباب حقا.