تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم جيء به سكرتيرا عاما لوزارة الداخلية فوكيلا لها، فكان له شأن أكبر من شأن «موظف» مصري في ذلك الزمان. وأنى صار صدقي باشا في مناصبه صارت معه الدقة والفطنة إلى خفايا الأمور والاضطلاع من مهام الحكم بكل عظيم.

وتولى الوزارة فلم يطل به الحظ فيها، فاعتزلها ولبث في داره بضع سنين، إلى أن ألف الوفد في أعقاب سنة 1918؛ ليتحدث على قضية مصر، فانتظم فيه صدقي باشا، وكان رابع أربعة من رجالاته امتدت إليهم يد السلطة العسكرية فنفتهم عن البلاد إلى جزيرة مالطة، حتى إذا أطلقوا بعد تلك الأحداث الجلى، انطلقوا من فورهم إلى باريس حيث وافاهم سائر أعضاء الوفد، وهناك جعلوا يرفعون صوت مصر ويطرقون بطلبتها كل باب، ويسعون إلى استقلالها ما وجدوا إلى السعي سبيلا. وإذا كانوا رفعوا صوت مصر، فلقد رفعوا كذلك رأس مصر. وإذا كانوا دونوا في إثبات حقها صحائف خالدة على التاريخ، فإن اسم إسماعيل صدقي سيظل في أجل هذه الصحائف خالدا على التاريخ.

وفشت - مع الأسف - فاشية انقبض على أثرها صدقي باشا عن العمل، وصدر أدراجه إلى مصر وبقي في عزلته حتى كانت الوزارة العدلية في أوائل سنة 1921، فتقلد فيها وزارة المالية، وشخص في الوفد الرسمي إلى لندن في تلك السنة. وإذا كان قد شارك في بحث المسألة السياسية فقد انفرد ببحث المسائل الاقتصادية التي تعلقت بها المفاوضات، فكان فيما حرره منها حق لبق، وحق خبير.

وتعلم أن ثروت باشا قد استخرج في سنة 1922 تصريح 28 فبراير، وإعلان مصر دولة مستقلة ذات سيادة. فلا تنس أن صاحبه صدقي باشا كان وزره في هذا السعي وعونه بما جلى من التفاصيل. وما أبدع صدقي يكمل ثروت إذا عرضت عظيمات الأمور، هذا لخطب السياسة الضخم، وذاك لما يتكئ عليه حل المعضلات من دقائق الموضوعات.

فكيف بهذين مع عدلي بعينه العالية ونظره السياسي القدير؟ وكيف بثلاثتهم مع الزعيم الجليل سعد باشا، وما اختصه الله به من شدة نفس وقوة حجة وصلابة عود؟

ولقد حق للأمم الناهضة بهذا أن تغبط مصر، وإن مصر ببركة هذا الائتلاف المقدس لبالغة غرضها الأسمى إن شاء الله.

وبعد، فلقد لبثت مصر بضع سنين وعيشها السياسي قائم على تنابذ قادتها وتناحر أحزابها، كل يعمل للقضاء على غيره، حتى إذا خلا له وجه الأمر تولى حل قضية البلاد على ما قدره هو لتحقيق أماني البلاد. ويستحر القتال، ويرمي كل عدوه بما ملكت يده من أسباب الهلاك. ويأبى حارس الكنانة إلا أن يبصر الصفوة من القادة وأعيان أهل الرأي بأنه إذا كان هناك من يستفيد بهذه السياسة الدامية فليست هي مصر على أي حال!

وما إن أهاب بالقوم ذلك الداعي النصيح حتى ألقي السلاح، ونضيت الدروع، وخشعت القلوب، وفاضت العيون بالدموع، ومشى الأخ إلى أخيه يستعتبه فيعتب، وهرع الولد إلى أبيه يستعطفه فيعطف ويحدب، وتبزل الأضغان وتسل الأحقاد، فيجتمع الأحباب من كل ناد، فلا ترى عطفا يملأ الأفئدة، ورحمة تسيل بها الأكباد.

شواجر أرماح تقصف بينها

شواجر أرحام ملوم قطيعها

إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها

تذكرت القربى ففاضت دموعها

وكذلك أصبحت البلاد بنعمة الله صفا واحدا، يرمي في غرض واحد بعد أن كانت صفوفا يرمي بعضها بعضا. وصدقي باشا رجل شديد في رأيه يعمل له بكل ما أوتي من قوة، وهو من أكبر العاملين على ترك سياسة الفرقة إلى سياسة الوئام، وصل الله في عمرها إلى غاية الزمان، فكان شديدا في الأولى كما كان شديدا في الثانية، ومن ينكر عليه هذا فهو لا يدين بمنافع البلاد حيث كانت، ولكن يدين بعبادة الأشخاص حيث تكون!

وهل كان هذا في شرع السياسة بدعا؟ وهذه دول الغرب التي نأخذ عنها أساليب الحكم، ونتروى وجوه التصرف في السياسة، لقد تتعادى أحزابها وتتفانى، وينضح بعضها بعضا بالمكروه، حتى إذا حدثت الأحداث تصافحت الأيدي، واتحدت الكلمة وتلاحمت الصفوف، ودخل رجال من بعضها في وزارة ينمى رئيسها لآخرين، والأمثلة على هذا أوفر من أن يتناولها البيان.

في المرآة · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ٣٧