تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان الفن أجدى عليه شيئا فقد أجدى عليه حقا عضوية مجلس النواب، وذلك الحظ العظيم. وعلى ذكر البرلمان أهمس في أذن صديقي الأستاذ فكري بكلمة صادق مخلص: اعلم يا عزيزي، وفقك الله، أن وسائل النجاح في شيء لا تصلح دائما وسائل للنجاح في شيء آخر، فإذا كان كل ما أعده الأستاذ فكري للبرلمان هو نفس ما يعده للصحف بلا زيادة ولا نقصان، فأرجو ألا يتكئ كثيرا على عيشه الجديد! وليعلم «أن له ناخبين يتردد عليهم» وليس معنى هذا أن فكري قصر في أداء واجبه النيابي، أو أنه لم يكن له في الأمر كفاية، ولكنا إنما نطمع في أن يكون للبلد منه في البرلمان مثل ما لها منه في عالم البيان.

على أنه مما يعزينا في هذا الباب أنه ما برح يتهجى «البرلمانية» في مجلس النواب، وذلك باب يحتاج إلى ممارسة وطول اختبار وتمرين، أسأل الله أن يمد في عمري وعمره حتى أراه في «سنة رابعة» شيوخ، خطيبا «برلمانيا» لبقا، لكن لا كالشيخين المحترمين: عزير ميرهم، ولويس فانوس! •••

ولقد نسيت أن أذكر لك أن فكري أباظة يشتغل بالمحاماة أيضا، وأنه محام من الطراز الجيد، وأن له مكتبا في مدينة الزقازيق يطلبه الناس، وفيهم الجباه

1

والسروات، لتولي مهمهم والدفاع في قضاياهم، وأنه مجد في مهنته، إن صح أن هذه مهنته، لبق، حسن التصرف، مبسوط العلم بمداخل القانون. ومن هنا تعلم أن النبوغ في فن لا يستهلك دائما سائر مواهب المرء الأخرى، ولا أدري أيكون من الخير أن يوزع الأستاذ فكري قواه على أمرين معا أو على ثلاثة، إذا حسبنا «البرلمان» شغلة ثالثة؟ أم أن الخير كله في أن يتجرد لتربية تلك الموهبة الجليلة التي لم يشاركه فيها كثير، على حين يشاركه ويبرعه في غيرها كثير؟!

والأستاذ فكري خرج من عائلة كبيرة جدا، كل أفرادها متعلم. وكلهم كسائر المتعلمين له في السياسة رأي، ولكني لا أحصي في هذه الآلاف - ما شاء الله - حزبا وطنيا إلا فكري، ولعل هذه من إحدى طرفه كذلك!

على أن الأخلق به ألا يكون حزبا وطنيا من الطراز الجديد

Moderne ، بل أن يكون وطنيا قديميا محجوبيا لا يقنع بالسودان من منبعه إلى مصبه ومعه الملحقات، وملحقات الملحقات، فإن في الشرق القريب والبعيد بلادا ضافية الأطراف، واسعة الأكناف، أولى بمصر أن تتولاها وصاية وانتدابا ما دام الإنجليز، على رأي الدكتور ثابت، ولعل الفرنسيين أيضا «ما يقولوش حاجة!»

ذلك هو الأخلق بطريف الخيال، وليسعد التمني إن لم تسعد الحال.

منى إن تكن حقا تكن أعذب المنى

وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا

| أحمد مظلوم باشا

لعمري لو وقفت على عنق

1

من الناس فحاجيتهم: ما أطول الحظوظ في أطول الأعمار في أطول الأجسام؟ لأجابوك في نفس واحد: «مظلوم»! وجه طويل، على عنق طويل، على جسم طويل. ولو رأيته يمشي ولم تكن بعد عرفته لخيل لك أنه «زفة بهلوان» وقف فيها رجل على كتفي رجل! وفي الحق أنه لو قدر - لا سمح الله - وأزيل عنقه وما فوقه عن كتفيه وما دونهما لتمثل منهما رجلان! أشبه ما يكون كل منهما بخلق مظلوم!

أسطواني الرأس، ساهي العينين، لو تأملت فيهما ما أعطتاك إلا أن وراءهما عدا كبيرا وزيفا في أرقام كثيرة! مرسل الأنف، رحب الفم، ممدود الذقن، طويل اليدين والساقين، وإني لأخشى أن ينكشف الزمن، ولو بعد حين عن أن مظلوما هذا رجلان «اقتصاديان» اتصلا بحيلة لطيفة حتى خرجا للناس في صورة رجل واحد توسلا بهذا إلى ألا يدفعا عند السفر إلا ثمن تذكرة واحدة، وفي الفندق - الأوتيل - إلا أجر سرير واحد، وفي المطعم إلا عشاء رجل واحد، وللخياط إلا ثمن بدلة واحدة، والواقع أن من شهدوا مظلوما وهو يتعشى لا يشكون في أن «جماعة» بأسرها تأكل، فان كان ولا بد، رجلا واحدا فهو إنما يجتر ليومه الثاني!

ونعمة صارت إلى كارنز

كم حجة فيها لزنديق

في المرآة · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ٢٤