تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما أنس لا أنس منظره يوم 21 نوفمبر وقد جردت دولة زيور باشا كل ما عندها من جيوش وخيول مهرية، ورماح سمهرية، وقنى خطية، وكل عازفة مهمهمة، وكل قاصفة مدمدمة، لتحول بين نواب الأمة وبين اجتماعهم، ويخرج عبد الحميد سعيد متسلحا بعصاه التي تزن 73 كيلو، وقد تهيأ للحرب والطعان في سبيل اقتحام الصفوف إلى البرلمان، فكان منظره يومئذ «كالتانك» سواء بسواء!

وهو اليوم عضو في مجلس النواب، إذا تحيفت السن من بعض فتوته، وطامن حكم الأيام شيئا من جماحه، فترك حديث مصوع وهرر، فما زالت له قوة على الوثب إلى بلاد الأحباش، للبحث عن نهر الجاش

3

دعك من أمر سنار، ومن خزان مكوار! •••

وبعد، فقاتل الله العلم، وقاتل الله الاختراع الحديث، فلولا ما أخرجا للناس من بنادق ومدافع، وآلات ساحقة، وغازات خانقة، وطيارات تحلق في السماء، تمطر الجيوش ألوان البلاء، ومدرعات وطرادات، ونسافات وغواصات، ترمي بكل فاتك وبيل، من قذيفة وطربيل، لكان لعبد الحميد سعيد اليوم شأن لا يقل عن شأن الزناتي خليفة، وأبي زيد الهلالي سلامة، والبردويل بن راشد، وآصف شراب الدماء، وأكفائهم من أبطال الحرب والطعان، الذين سارت بشهرتهم الركبان، وسجل «التاريخ» بطولتهم على وجه الزمان! ... ولكن من سوء حظ عبد الحميد بك سعيد أنه يعيش في القرن العشرين، ولا أدري أكان بهذا قد ظلم التاريخ، أم قد ظلمه التاريخ؟!

| فكري أباظة

متكور الوجه، أخيف العينين في ضيق محاجر، مقرون الحاجبين، كأنما شق عن فمه بعد أن استوى خلقه، متوافر اللحم في غير بدونة بينة، ولو قد أطلق - مع قصره - للشحم العنان لتمت عليه نعمة الله كلها! ولو رأيته في إخوته لحسبته بعض تلك النباتات التي تخرج وحدها فلم يتعهدها منجل البستاني بالتسوية والتشذيب!

وفكري، على هذا! على هذا كله! يكاد من خفة الروح يطير، ولعل مما يساعده على هذا «الطيران» شكله «البالوني» الخفيف! حلو النفس، حلو الحديث، حاضر البديهة، رائع «النكتة»، لو هيئ لك أن تجلس إليه عشرين سنة ما أحسست ضجرا ولا سأما، يسرك حتى في غضبه وحتى في خصامه! وإن هذه الطرف البديعة التي يطالع الجمهور بها في الصحف لقطع من نفسه الفنانة اللعوب يرسلها على القرطاس إرسالا في غير كلفة ولا مطاولة ولا عناء، ولعلها بهذا وحده تشيع في الأنفس كل ما تجد لها من أريحية ولذة وطرب.

وهو ذكي متعلم، تام الاستعداد، على أنه صرف كثيرا من هذا إلى تمرين تلك الموهبة العظيمة فيه، حتى أدركت كل هذا الإدراك، وحتى استأثر بهذا الفن البديع من البيان إن لم يكن قد خلقه في بلاد العربية خلقا!

وأخشى ألا يعجب هذا الكلام الأساتذة: علام سلامة، ومصطفى صادق الرافعي، ومهدي خليل، وصادق عنبر، وأضرابهم من أصحاب اللغة. ولا أقول لهم إن لغتكم لا تتسع لهذا الضرب من «النكتة» وأسباب التظرف، ولكني أقول لهم: إذا أبيتم ألا يتندر الناس إلا بالفصيح الصحيح، فعليكم أولا بتحفيظ الأمة كلها المعلقات السبع، والملحمات السبع، والمذهبات السبع، والمنتقيات السبع ... إلخ، إلى استظهار الكامل للمبرد، والأمالي للقالي، وصحاح الجوهري، ومخصص ابن سيده، والأساس للزمخشري ... إلخ إلخ! وأنا زعيم لكم بأن الناس لن يعودوا يسمعون في أعراس «أولاد البلد» في خلل الغناء في «قافية أسماء الشوارع» مثلا: اللي على جتتك! اشمعنى؟ الضرب لحمر! بل سيسمعون بدلها إن شاء الله: هذا البادي على جثمانك! ما باله؟ من أثر المشق بالسياط!

قبل ما يلعب! ...

وعلى ذلك، فقد حق على هؤلاء وأمثالهم أن يطلقوا للناس حرية القول والكتابة في طرفهم وسائر حاجاتهم حتى يتهيأ للأمة أن تستحيل كلها «شناقطة» و«حماميز فتوح الله»، بإذن الله!

نعم، لقد «تخصص» الأستاذ فكري أباظة في هذا النوع من البديع وبرع فيه أيما براعة، وهذا اسمه يرن به باعة الصحف صباح كل يوم وظهره ومساءه، ولو اجتمع لامرئ في بلاد الغرب هذا «الفن» إلى هذه الشهرة لخرج في أصحاب الملايين، ولكننا ما زلنا في طريق تقدير الفنون، على أننا كنا نتهزأ بها وبأهلها من عهد قريب!

في المرآة · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ٢٣