تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يكن لطفي في سنيه تيك صحفيا فحسب، بل كان أستاذا يشرع في العلم والفلسفة وفنون الاجتماع، وكان له طلاب من الشباب أهل المواهب والذكاء، فما راقك اليوم من علم فلان، وما أعجبك من عقل فلان، وما راعك من أدب فلان، فأولئك، في الحق، أكثرهم من صنعة لطفي السيد في تلك الأيام.

وهو رجل له، أو كانت له، شخصية قوية: له نظره، وله تدليله، وله أسلوبه الكتابي، بل وله إيماءته وحديثه. وإن كثيرا ممن كانوا يطوفون به ليقلدونه في كل ذلك، فمن أعيا عليه تفهم علمه وأدبه راح يقلده في شكله ودله، ويحاكيه في لهجته ومخرج حروفه.

ومن ظريف ما يروى في هذا الباب، أن فتى من أبناء الحكام أصحاب لطفي كان يعجب به هو الآخر طوعا لإعجاب الناس، فكان جهد حيلته في بلوغ بعض شأو لطفي أن ينسل إلى حلاقه، فيسأله أن يسوي له رأسه كما يفعل بشعر الأستاذ سواء بسواء، ثم يغدو على الناس بعد ذلك يقبض صوته ويرسله، ويلويه ويعدله، ويفككه ويلحمه، ويرققه ويفخمه، ويثني عطفيه من زهو واستكبار، ويهز كتفيه من استنكاف واستنكار، ثم يعود إلى نفسه فيراها قد استوت «لطفي السيد» في غير جهد ولا عناء! ... وما دام العلم والفلسفة كلها إنما تتصل «بالحلاقة»، فلماذا يقف صاحبنا عند هذا الحد؟ وإني لأراه يغذ

1

السير فأسأله: إلى أين يا فلان؟ فيقول: إلى الحلاق فقد اعتزمت اليوم أن أحلق «مونتسكييه» أو «أوجست كونت» أو «جان جاك روسو» أو غير أولئك من ضخام الرجال. ومثل هذا عندنا، لو لاحظت الناس، كثير!

ونعود إلى الأستاذ لطفي، فقد ظل في كفاحه وجلاده؛ إذ خاصة الناس كل يوم عليه في إقبال، حتى ضعضعت أفاعيل السياسة حزبه فكان آخر من ألقى السلاح. ثم عاد إلى النيابة فلم يتصل شأنه فيها بجلالة شأنه حتى كانت سنة 1919، فضحى بالمنصب في سبيل الثورة، وانتظم في الوفد المصري عضوا فكان فيه عنصرا قويا. وكانت أداته في أكثر ما يخرج للناس من بيان مكتوب. وانطلق مع الوفد إلى أوروبا ولبث معه عاملا نافذا، ما شاء الله أن يلبث، ثم عاد مع من عادوا أول الأمر. وتظهر بوادر الشقاق فيبدو له أن يتحفظ فيتحفظ، ثم يستفحل الخطب فيهديه عقله إلى أن يتسلل إلى داره في رفق فيفعل، فيبقى حلس

2

بيته سلما كله، حتى يطلب لما هو أليق به وأكرم، فيتولى دار الكتب المصرية ينظر في شأنها بعض اليوم، وينظر في شأن العلم سائره. وكان من حظ «نصف العزلة» هذه، أو من حظ العلم منها، أن أتم ترجمة كتاب الأخلاق لأرسطاطاليس «إلى نيقوماخوس»، وما كان الإبداع في ترجمة هذا الكتاب بأبلغ من الإبداع في الإقدام على إخراجه في مثل تلك الأيام!

ولقد فاتني أن أقول لك إن هذا الرجل الذي ضحى بالمنصب في سبيل الثورة، قد عاد فضحى بالثورة في سبيل المنصب، فأصبح كما يقول أصحاب الميسر «كيت»؛ لا له ولا عليه، وإلى هنا ينتهي عندي تاريخ ذلك الرجل العظيم!

وعساك تتحداني بأنه أصبح الأستاذ الأعظم الرسمي في كل البلاد من يوم أصبح «مدير الجامعة»، فأجيبك بأني «ماعنديش خبر» بشيء من هذا كله، وكيف تريدني على أن أصدق أن الأستاذ لطفي السيد كله أصبح مدير الجامعة المصرية، في حين لم أسمع بأنه أفاض على الطلاب درسا أو ألقى محاضرة في العلم واحدة! فإن كنت تريد «بمدير الجامعة» ذلك الموظف الذي ينكسر همه على طلب كسى الحجاب والسعادة، و«تسوية» أجور البوابين والجناينية، و«العرض» لوزارة المعارف عمن يلزم ترقيتهم من جماعة الكتاب، فليس ذلك بالرجل الذي يعنينا في مثل هذا المقال.

الحق أن لطفي أستاذي، وإنه ليسوءني أن يختم حياته في هذه «الجامعة» من حيث يجب أن تبتدئ الحياة القوية لعظماء الرجال!

والواقع، أن الداء «الأجنبي» قد تغشى تلك الجامعة، في حين لم نر لذلك «الحكيم» قولا ولا عملا! ولو كان هذا المقام مقام تفصيل في هذا الباب لباديت أستاذي العظيم بكثير! •••

في المرآة · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ١٩