تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد رأيت صديقا لي من أهل الأخطار، لا يرى الدكتور علي إبراهيم يجوز في طريق أو يغشى ناديا إلا صف قدميه، ووقف «زنهار»، ورفع يده بالسلام العسكري، فقلت له في هذا، فقال: «علشان ياخد باله مني يوم أحمل إليه»، فقلت له: يا لك من رجل مبالغ، فكان جوابه: على كيفك، لك ترمواي يترد عليه! •••

وجل من تعالى على النقص وتنزه عن العيب، فإن جراح الشرق كله لا يملك مستشفى يليق بجلالة محله، ولا بآلاف «المجاريح» الذين يطلبون مستشفاه من كل مكان، فقد سلطت عليه شهوة اقتناء «السجاجيد»، وألوان الطرف، وإحراز ما أبدعت يد كل فنان، وما افتن فيه كل صنع حسان، ومن كل ما رثت فيه العصور ونصل عليه لون الزمان، من دمى وتماثيل، وتصاوير وتهاويل، ونمارق ووسائد، ومعاضد وقلائد، وخشب منجورة ، وأحجار محفورة، ومزاليج أبواب، وسروج دواب، وشرفات دور، و«شواهد» قبور، وضباب مصبرة، وجرار مكسرة ... إلخ، ولو نفض عنه بعض ما يحرزه من ذاك؛ لابتنى مستشفى يليق حقا بشيخ الجراحين! على أننا نترك الكلمة في هذا للمجلس الحسبي!

وبعد، فإن حقا على أهل مصر جميعا، ومياسيرهم بنوع خاص، أن يسجدوا لله تعالى سجدة الشكر كلما أطلت شمس الصباح عليهم؛ اغتباطا بأن علي إبراهيم غير ولوع بجمع المال، فلو كانت لغيره تلك الأصابع التي «تسرق الكحل من العين»، لآثر أن يكون «نشالا»، إذن والله لسل الآلاف، ولأحرز أكثر مما تجدي «الجراحة» أضعاف الأضعاف، ولما أبقى في جيب على كيس، ولا هنئ الناس بكريم ولا نفيس، ولكن قدر فكان، وسبحان من «يعطي الحلقة للي بلا ودان!»

| أحمد لطفي السيد بك

لا أدري، أعلمه أوفر من عقله، أم عقله أوفر من علمه؟ إلا أنه أوفى بهما كليهما على الغاية. وهو عالم واسع العلم، وعاقل واثق العقل، وذكي متسعر الذكاء. له عينان حديدتان كأنما تمدهما أشعة «إكس»، فلا يكاد يقوم بينهما وبين ما تريدان حجاب. وإنه ليحاول أن يستر عنك إدراك هذا منه بمنظاره الأسود، كما حاولت الطبيعة أن تكتمه على الناس بما ضيقت في محجريهما تضييقا!

وأحمد لطفي السيد قد بان خطره من يوم نجم، فكان طالبا في مدرسة الحقوق، لا تعنيه مدارسة القانون المدني، ولا يحتفل لقانون تحقيق الجنايات، ولا يهمه أين تقع «نمرته» من سلك التلاميذ في امتحان غاية العام قدر ما تعنيه مدارسة المنطق والفلسفة وعلوم الاجتماع، على أنه كان مجليا في الأولى كما كان مجليا في الثانية. وبهذا، خرج لطفي على غير ما يخرج سائر التلاميذ، خرج وله عرق في الحكمة والمنطق وسائر علوم النظر، لا يتسق في العادة لإخوانه «الحقوقيين».

درج مدرج نظرائه في الحياة العلمية حتى كان نائبا أو رئيس نيابة، على أن خطبه في ذاك لم يكن جليلا، فقد انصرف همه، إلا أقله، إلى تحصيل العلم والأدب، وأخذ العقل بالتدبير وصدق النظر، وأخذ اللسان والقلم بفصاحة القول وقوة البيان بالحديث والخطابة، وبالترجمة والتأليف، وتارة بالكتابة في الصحف في ألوان الموضوعات.

من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم.

ثم كان حزب الأمة وكانت «الجريدة»، وتهاوت الأنظار على من يقوم بها كفاء لمهمها الجسام، فوقعت كلها عند لطفي السيد، وتولى الجريدة فكان كاتبا لا يبارى كما كان صحفيا لا يضارع. وبانت له موهبة جديدة أحوج ما يكون إليها امرؤ يتولى تلك «الجريدة» في ذلك العصر، وهي شدة الطبع والصبر على الخصومة وطول الكفاح. وناهيك بمن يصمد للقتال إذ شيخ الكتاب علي يوسف يتولاه عن يمينه، وإذ فتى الوطنية مصطفى كامل ينقض عليه أحيانا من شماله، وإذ أمامه، ولا أسمي، من لا يشق في الكيد غباره، ولا تصطلى في الجلى ناره، ومهما زعموا أن وراء حزب الأمة كانت قوة تعضده وتشد متنه، فما كان من شأن هذه القوة أن تقرب إلى هوى الناس جريدة، وكانت في الوقت نفسه تتحدث على أماني البلاد، وتطلب أن يسودها حكم الدستور، وإن طلبته دستورا «متواضعا» كما كان يهتف أستاذنا الجليل، ومع هذا فقد تهيأ لمقدرة لطفي أن تستدرج الخاصة وأشباه الخاصة في عامة البلاد، وأضحت دار «الجريدة» منتدى أهل العلم والأدب والرأي الصحيح ينتجعونها من كل مكان.

في المرآة · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ١٨