إنما خيّرني الله تعالى فقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) وسأزيد على السبعين) قال: إنه منافق. فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبرِهِ) (1) فترك الصلاة عليهم ... رواه البخاري ومسلم.
فتأمّلوا عِظَمَ مساحة الرحمة لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي جعلته يقسم ألا يرضى وواحد من أمّته في النار، وجعلته يجتهد اجتهاداً مشروعاً في ردّ تنفيذ حدّ الزنى عن تلك المرأة، وجعلته يصرّ على الاستغفار لأكثر الرجال نفاقاً.
فرحمته صلى الله عليه وسلم وسعت أمته جميعاً ومع ذلك فما هي إلا قبس من ذلك الجزء الوحيد الذي أنزله الله تعالى إلى الأرض، فإذا كان ﴿عبد الله﴾ صلى الله عليه وسلم قد تجلّت في ذاته تلك الرحمة العظيمة من خلال ذلك الجزء، فكيف هي رحمة الله تعالى؟
إنها أعظم وأجل، وما محمد صلى الله عليه وسلم إلا قبس دنيوي من رحمة الله تعالى التي بلغت تسعة وتسعين جزءاً ضعف ما على الأرض جميعاً من رحمة.
لقد كان ﴿عبد الله﴾ صلّى الله عليه وسلّم بما تجلّى في ذاته من رحمة دليلاً بالغاً على ما سيجده الموحِّدون من ربهم يوم القيامة. ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون دليلاً بيِّناً على صفات الله تعالى إلا من خلال سموّ حالة العبودية لديه والتي جعلته أوّل العابدين، الذي تتَّضح من خلال فاعلياته فاعليات الذات الإلهية.
فالحمد لله ربّ العالمين الذي جعل عبده ورسوله محمداً صلَّّّى الله عليه وسلّم بياناً وبرهاناً على ما أعدَّه لعباده من رحمة ومغفرة يوم القيامة.
(1) - التوبة: الآية 84