فاضطر الفاتح إلى بدر بعض بدرات من الذهب على رءوسهم مراعاة لنظامهم الفاسد وجريا على مجراه، ولكنه أعار هذا الحادث الجلل جانب الأهمية، ورأى بأصيل رأيه أن الأسفار الحربية للذب عن الوطن وإقامته على أسس قويمة تحتاج إلى كبير طاعة وعظيم دربة من الجيش، والجيش على ما هو عليه من اختلال الشأن واعتلال الكيان، فوجد أن من العدل عزل بعض أمراء الجند وتأديب مذكي نار الفتنة، وقضى بذلك على روح سيئة قد تسري إلى قلب الجند فتقلب أخلاقه وتستبدل حسناته بسيئات.
ومن جملة ما ارتآه للقضاء على هذه الآمال الساقطة إخراج ألوف كثيرة من حرسه الخاص وإعادتهم للجيش؛ حتى يتمكن من إلقاء الشقاق بين تلك الجنود، فيمنع وقوع الاتفاق خفية بينهم أو القيام ببعض أعمال ضد السلطة. وبعد أن مهد هذا السبيل وأمن شره المستطير عاد بكليته إلى القرمانيين والتحق بجيشه الذي عهد به إلى إسحاق باشا بسرعة كادت تكون من الخوارق؛ لأنه نهب الأرض نهبا وطوى المسافات الشواسع طيا.
رأى العدو هذه الحركة الهائلة وهو لم ينس يد العثمانيين الطولى في قراع الكتائب وقدحهم المعلى في تفريق الصفوف، فأخذ بالتقهقر بدون أن يبدي أدنى مقاومة، حتى إذا تضامت فرقه المتفرقة تحصنت جميعها بجبال طاش إيلي الشواهق، ولم ير بدا من الرضوخ لشروط العثمانيين التي حطت قدره وأنزلت من كرامته، راضيا من الغنيمة بالإياب وحاصلا على أمان السلطان وعفوه.
لما رأى الفاتح انتصار جنوده لأول مرة بمجرد إقدامهم بالأقدام قبل أن يضطروا لمساعدة السواعد، نشأ في قلبه حب فتح القسطنطينية تثبيتا لدعائم مملكته وحفظها من كل طارئ ومفاجئ.
نعم كانت القسطنطينية إذ ذاك قليلة عدد السكان، ولا يتبعها سوى مدن صغيرة كسلوري وسواها، ولكنها لم تنزل عن كونها البقية الباقية من إمبراطورية رومية العظيمة، ولا تزال نادي العلوم والفنون الغربية ومركز الكنيسة الشرقية، فمحاولة ضبطها يعتبر تعرضا ظاهرا وعداوة بينة للعالم المسيحي.
وقد كان موقع المدينة على غاية من المناعة الطبيعية ومجهزا بكل وسائط الدفاع المستعملة آنئذ، مما يجعل الآمال ضعيفة بفتحها، كما أن كثيرين من الأبطال رجعوا عنها بخفي حنين.
هذا عدا عن أن الأمير أورخان من الأسرة المالكة وحفيد سليمان الجلبي كان رهنا عند الإمبراطور، فلو ترك حبله على غاربه وعاد إلى أية بقعة من بلاد الدولة لأخذت الثورة بالظهور.
أعد ذلك خليل باشا في عداد ما أعده من العراقيل والعثرات في سبيل الفاتح، وجعله سلاحا قاطعا يستعمله ضده عند مسيس الحاجة.
واتفق أن الإمبراطور أوفد سفيرا إلى العاصمة يطالب بتخصيصات للأمير المرهون، وتجاوز هذا السفير حدود الرسميات وآداب اللياقة بأن تهدد الحكومة العثمانية بإطلاق سراح الأمير وفك عقاله إن لم تجبه إلى طلبه، فوجد الفاتح في ذلك مجالا للعمل فسيحا وذريعة مناسبة للقضاء على سياسة الروم الخرقاء، وأخذ يمعن الفكر وينعم النظر في الطرق المؤدية إلى ذلك.
يروي التاريخ أن الفاتح دعا وزيره خليل باشا سحرا ، فاضطرب الوزير لهذا الطلب الفجائي وحسب له ألف حساب، واستصحب معه كمية وافرة من الذهب ليرفعها إلى الملك ويستبقي بها حياته.
ولاحظ السلطان على وزيره هذا الاضطراب، فبادأه بقوله: وزيري، لا أطلب منك مالا ولا منالا، ولست أريد بك سوءا، بل أود منك أن تكون لي عونا فيما أنويه من فتح القسطنطينية، إن هذه الأمنية هي شغلي الشاغل والمحور الذي تدور عليه آمالي. انظر هذه الوسادة، إنها توعكت من كثرة ما تقلبت عليها ذات اليمين وذات الشمال، ولم يجد الكرى إلى جفني سبيلا.
أنا لا يهدأ لي بال ولا يقر لي قرار إلا متى تم على يدي هذا الفتح العظيم وتسنى لي هذا العمل المجيد.
أما الوزير فلما اعتقد بأن ما انتقده على السلطان كان وهما باطلا، وأنه لم يبطن له شرا سري عنه وانبسطت نفسه، ووعده وعدا أكيدا بالمعاونة، وانتهت هذه المفاوضة الليلية بأمر السلطان القائل بصوت جهوري: «إياك ثم إياك أن تنخدع بأموال الروم.»