تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استتم الفاتح ما يلزمه من العلم، وبقي في مغنيسيا ينتظر ما يأتي به القدر، إلى أن وافاه خبر وفاة والده المبرور، فخشية من أن يلعب معه خليل باشا الوزير الأكبر دورا ثانيا ويرجع صفر الكف خالي الوفاض من السلطنة؛ امتطى جواده وخاطب من حوله قائلا: «من كان يحبني فليتبعني.»، وسار في طريقه لا يلوي على شيء حتى وصل إلى أدرنة.

كان الفاتح ربعة، قوي العضلات، ضخم الأعضاء، عريض ما بين المنكبين، غزير شعر الحواجب مقوسها، أبيض اللون مشربا بحمرة، فاحم الشعر كث اللحية، قصير العنق، يسبقه رأسه إلى الأمام عند مشيه، أما بقية أوصافه التي تدل دلالة واضحة على دهائه المفرط وذكائه النادر ونظره البعيد ومرحمته الغريزية وحبه للظهور وكفاءته للحروب، فهي سعة جبينه، ونقاؤه، ونور عينيه الجوال الذي يخترق أستار الحجب، وأنفه اللطيف القائم على قمة فمه الوردي.

استقبل الجند سلطانهم الجديد ولم يبق للروابط القديمة بينهما عين ولا أثر؛ لأنهم فارقوه صبيا صغيرا وأنستهم الأيام ما آنسوه فيه من الهمة والكفاءة، حتى إنهم لم يكادوا يذكرونه لتغيير شكله وزيه، وقد تمثل أمامهم بطلا ضخما يحاكي أجداده العظام، مما أدى بهم إلى الهناء بعد ذلك العناء الذي عقب وفاة ملك كان ينتقل بهم من نصر إلى نصر، ومن فخر إلى فخر.

وكأننا بهم يرددون قول الشاعر:

هناء محا ذاك العزاء المقدما

فما عبس المحزون حتى تبسما

ثغور ابتسام في ثغور مدامع

شبيهان لا ينفك ذا الشبه منهما

ولم يبق بين ذلك الحشد الغفير من لم تشمله لذة الفرح أو تأخذه نشوة الطرب إلا خليل باشا وبعض أشياعه. أما السلطان فهو الوحيد الذي كان باكيا ضاحكا كئيبا مسرورا في آن واحد.

دخل الفاتح العاصمة بين هتاف الشعب وتحية الجند، وغداة اليوم الثاني عقد الديوان العالي لإجراء مراسيم البيعة، فلحظ الفاتح على خليل باشا انزواءه إلى جانب القاعة، وهو بين الخوف والرجاء واليأس والأمل، تقرأ على وجهه سور الاضطراب لما فرط منه في جنب السلطان، فقال الفاتح: لماذا لا يحضر الوزراء؟ مروا خليلا أن يتبوأ مقعده. وأظهر بذلك أنه أرفع من أن يقتص عن إساءة كانت موجهة لشخصه، وكان هذا العفو الجليل فاتحة كتاب سلطنته وباكورة أعماله في يوم الخميس لستة عشر من محرم الحرام سنة 855 هجرية، والسلطان في الثانية والعشرين من عمره.

إن أول عدو وجده الفاتح في طريق سلطنته هم القرمانيون، اعتادت هذه العائلة القرمانية منذ بدء ظهور الدولة العثمانية أن تراقب أعمالها عن كثب وتظن في نفسها الكفاءة، ونسيت أو تناست ما سبق لها من الوقائع معها، وما قاسته من الغلبات المتواليات التي ذاقت وبال أمرها ورزحت تحت أثقالها آمادا طويلة، فكانت لا تني لحظة عن إيقاظ الفتن النائمة كلما سنحت لها فرصة وسمح لها زمان، وتحمل غلباتها السالفة على دربة ودراية مديري دفات تلك الحروب الطاحنة من العثمانيين، وتعلل النفس بآمال كلها أضغاث أحلام؛ ولذلك كانت تعيد الكرة كلما تولى سلطان عن الملك وتولى عليه آخر، فما كاد ينتشر خبر ارتحال السلطان مراد إلى دار الجنان إلا وقام إبراهيم بك زعيم تلك الحكومة المغرورة، ناسيا عظم الندامة التي تحل بمن يجرب المجرب.

قسم إبراهيم بك جيشه إلى أربع فرق، وقاد إحداها بنفسه إلى علائية، وأرسل الثلاث الباقية إلى جهات؛ كوتاهية، ومنتشا، وآيدين، تحت قيادة أحد زعماء ملوك الطوائف، ومذ تلقى السلطان الفاتح هذا الخبر ولى إسحاق باشا منصب أمير أمراء الأناضول، وأرسله لمقابلة العدو ومناقشته الحساب، وتوجه هو إلى بروسة ليعنى بدفن جثة أبيه، ويلاحظ صفوف الدفاع الاحتياطية التي أقامها لحفظ مركز الجيش.

وصل الفاتح إلى مضرب الجيش، فقام الإنكشاريون يطالبونه بخراج توليه السلطنة، وقد أصبح ذلك بدعة سيئة منذ حدثت حادثة تيمورلنك واضطرب حبل المملكة، فهم لا يدخرون وسعا في الحصول على هدية أو عطاء من كل سلطان، ولو أدى ذلك بهم إلى الخروج والعصيان.

سيرة الفاتح · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الفاتحص ٣