اعتاد الفاتح خوض المنايا، فما أعجزه التدبير لقاء هذه المصاعب والمتاعب، وصار يعمل على حفظ كيانه واسترجاع مكانته برباطة جأش وعزم لا يتزعزع.
أقام هو في إستانبول يدير دفة الأمور، وعهد بقيادة الجيش الأول إلى بير أحمد بك ابن عمته وإلى حمزة بك والي أنطالية، والثاني إلى طرخان زاده وأورنوس زاده، والثالث إلى شرمت بك وبلبان بك «الذي نصب علم النصر على برج القسطنطينية وهو جندي بسيط، فكافأه السلطان على هذه الخدمة ورقى به حتى القيادة»، وأرسل هذه الجيوش بعد أن زودها بالخطط والتعاليم الحربية على صاحب قرمان والمورة وإسكندر بك الألباني كل بمفرده.
وأسعفت العناية الإلهية الفاتح بوفاة البابا، فانتثر بعدها عقد الصليبيين وتشتت شملهم، فكانت أعظم مساعد لنجاحه وفلاحه.
ولما رأى حسن الطويل تدابير الفاتح فضل الانسحاب بعد أن نهب البلاد التي تعهد بحمايتها وصيانتها ورجع غانما سالما، فسقط في يد إسحاق بك وأخذ قسطه من الجيوش العثمانية، وهناك عادت تخوم البلاد إلى ما كانت عليه في عهد بيازيد ووقعة تيمورلنك، أما في شبه جزيرة المورة فلم تقم الجنود مدة قليلة إلا وعادت السكينة إلى مجراها واستتب الأمن. وهذا النجاح وإن قضى على بعض قوى التحالف الموجهة ضد الدولة إلا أنه ما أعاد المياه إلى مجاريها؛ لأن البندقيين أنشئوا قلعة عظيمة في مضيق المورة، وجهزوها بمائتي مدفع، وجعلوا البلاد تحت خطر الضبط، وبقيت الجنود العثمانية محصورة في ما وراء المضيق، كما أن جيش المجر الذي تركه البابا المتوفى ميراثا هجم على البوسنة وضبط يابيجا.
لما تأكد السلطان مرامي أعدائه ومواضع آمالهم قام لاستئصال شأفتهم وقطع دابرهم بجيش جرار وبارح القسطنطينية، وكان للجيش العثماني ذلك الصيت الطائر والصوت المرعب، فما كاد يأتي على مقربة من مضيق المورة وترى جنود العدو طليعة الجيش التي تولاها محمود باشا مقبلة، حتى ولت الأدبار خوفا وجزعا دون أن تطلق رصاصة واحدة.
بشر الفاتح بهذا النصر العاجل، فشكر الله سبحانه وتعالى على نعمائه وآلائه، ووجه وجهه شطر البوسنة ومعه ثلاثون ألف جندي ليس إلا، وبلغها بسرعة غريبة وبدأ بحصار يابيجا، وبينما هو مشتغل بالحصار اجتاز المجريون الحدود وهجموا على قلعة أزورنيخ لكي يحولوا الجيش العثماني عن محاصرة يابيجا، وعاد محمود باشا بعد أن أعاد الأمن في المورة وقاوم أسطول البندقية الذي كان يرمي إلى ضبط مدللي «متلين»، فأرجعه أدراجه بحملة واحدة.
هنالك انسحب الفاتح إلى صوفية واتخذها وازعا لحركاته، وقسم جيشه إلى شطرين، أرسل أولهما إلى يابيجا ليشدد حلقات الحصار عليها، وثانيهما للمجر ليقاوم عساكره، وعهد بالأول إلى محمد بك منت، وبالثاني إلى محمود باشا.
ومن غرائب الصدف أن شأن قلعة أزورنيح كان كشأن قلعة المضيق، فإن ملك المجر بمجرد ما رأى طليعة الجيش التي يتولاها الصدر أخذ بالتقهقر تاركا ميرته ومدافعه، وقد تبعته الجنود العثمانية حتى حدود بلاده وأبلت بجنده بلاء حسنا سواء في الطريق أو في مرورهم من نهر صاوا، ورسخت قدم الدولة في السيادة على البوسنة.
أما في جهة ألبانيا فقد قلب النصر للعثمانيين ظهر المجن، وذهبت ريح فرقهم التي يقودها شرمت بك لقاء أول حملة من إسكندر. وأما بلبان بك فإنه باقتدائه بأوامر الفاتح واهتدائه بهديه نابذ الأعداء وقاومهم قليلا، إلا أنه كان يربح مرة ويخسر مرتين، فكان الفشل أليفه طول هذه الحرب.
علم الفاتح بذلك واعتقد أن شجاعا مثل إسكندر لا يقف في وجهه إلا شجاع مثله، فبعد إنهاء واقعة المجر توجه تلقاءه ودوخ بلاده من أدناها إلى أقصاها، وأحاط باقجه حصار مركز حكومته وأخذ بخناقها.
وقف إسكندر إزاء مهارة الفاتح وكفاءة مدافعه، ففضل التسلق إلى الجبال عن النزول إلى ساحة النزال أو الالتياذ بإحدى الحصون.