تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان السلطان يقدر حاجيات مملكته، فلم يرد أن يزيد عليها بلادا خارجة عن تخومها الطبيعية، فتكرم بالأفلاق على رادول أخي ولار المذكور، ولما رأى أن الجو خلا له وما بقي أمامه رقيب ينازعه عزم على ضبط جزيرة ليمنوس؛ لأنها على مقربة من بلاده، وما فتئ قرصانها يتعرضون للسواحل مرة بعد أخرى، فخطط الخطط الحربية وسلمها للصدر الأعظم محمود باشا وأرسله أميرا على الأسطول، وعاد السلطان إلى إستانبول، وما لبث الصدر أن ضبط الجزيرة بوجه سلمي.

لم يكن من دأب الفاتح التخلي عن أسفاره الحربية، ولكنه رجع هذه المرة حبا بتنسيق البحرية وإكمال نواقصها، حفظا للراية العثمانية فيما عسى يحدث بينه وبين جمهورية البندقية، ولاحظ الأشغال بذاته، ومن جملة ما قام به استحكامات سد البحر، وجناق قلعة «الدردنيل» على ضفتي البحر المتوسط، وما زال فن الحرب الآن يعتد بها ويعدها بمكانة قصوى من الأهمية، مما يشهد للفاتح بسمو المدارك وكبر العقل في الفنون الحربية أيضا.

كنا ألمعنا قبلا أن السلطان لم يوفق أثناء حصار القسطنطينية بتصويب مراميه من جهات قاسم باشا إلى الجهة المقابلة، وأنه اضطر لتسيير السفن على وجه الأرض من بشكطاش إلى القرن الذهبي، وتكلف ذلك التكلف الهائل الذي أزهق الأرواح رغبة في الوصول إلى أمنيته، أما هذه المرة فقد نجح نجاحا مبينا بإنشاء مدافع تقذف القذائف من الجانبين إلى مركز وسط، وتسقط على هدفها بسهولة.

فرغ الفاتح من هذا العمل الهام، وما كاد يأخذ لنفسه طرفا من الراحة، إلا وقام ملك البوسنة يعارض بدفع الخراج المقرر عليه، زاعما أن قلعة سمندرة التي سلمها عن طيبة خاطر تقوم مقام الخراج. وكانت بوسنة حدا طبيعيا لبلاد الروملي، وضبطها ضروريا لحياة المملكة العثمانية، وقد سنحت هذه الفرصة الثمينة التي لا يجوز فواتها، فجند السلطان جيشا كبيرا يحوي مائة وخمسين ألفا وقاده بذاته.

وصل الفاتح أسكوب وعلم بها أن ملك البوسنة تحصن في إحدى القلاع، فأرسل محمود باشا في الطليعة، وتولى هو الجيش الاحتياطي يقوم بأوده بسرعة خارقة ومهارة فائقة، فلم تمض بضعة أسابيع حتى سطا على ملك بوسنيا بأسره وأسر ملكها، وما وقف عند ذلك، بل أرسل الصدر بجيشه إلى الهرسك ينشد طريقا ومخرجا بحريا، ونجح الصدر في مهمته الثانية.

وبعد كل هذا أشهرت حكومة البندقية الحرب على الدولة، على أثر ظهور حادث بسيط بين أمراء الحدود بسبب أسير فر من عند والي أثينا واستأمن بنبيل بندقي، وقد عارض النبيل في إعادته وتسليمه أشد المعارضة، حتى أفضى ذلك إلى التخاصم، والبندقية في ذلك الزمان كإنكلترا اليوم من حيث انتظامها، وانكباب أهلها على الجد والعمل في التجارة والأسفار على قلة نفوسها، وقد أصبحت خزانة أوروبا ومالكة زمام البحر المتوسط، بل ملكة البحار على الإطلاق.

دام هذا الجدال العنيف زمنا يربو عن ثلاثة عشر عاما أثبت الفاتح في خلالها عظيم دربته ودرايته، وخرج منها متوج الرأس ظافرا، أما زعيم البندقية فقد كان على خبرة تامة بدخائل السياسة، عارفا بأساليبها ودسائسها، وكان يأمل أن يحرك ساكن البلاد المفتوحة في الدولة ويثير ثائرها، فضلا عن أنه يثق بمساعدة البابا بيوس الثاني الذي كان على جانب عظيم من التعصب الديني، وكان يتوقع معاونته بتأليف فئة صليبية كبيرة يسترجع فيها فائت قوته الروحية والزمنية، ويستعيد بها الاستئثار بالسلطتين.

وفعلا ظهرت مقدمات هذه الظنون، وأخذت البلاد تنتقض الواحدة بعد الأخرى بمجرد ما تهيأ أسطول البندقية، وغدت تنتشر جنوده كالجراد، وكان اليونان في مقدمة رافعي لواء العصيان، ثم إسكندر بك الألباني.

والبابا نفسه جند فرقة عظيمة من أهالي حكومتي فرنسا والمجر ومدن إيطاليا وقادها بذاته، وحضر إلى أنقونة ليتسنى له الهجوم على البلاد العثمانية، ثم بتلك البرهة توفي إبراهيم بك القرماني حافظا عداءه للدولة وهو على شفا جرف القبر، وعهد بالولاية لابنه الصغير إسحاق بك الذي ولد من جاريته، رغما عن وجود ستة أنجال له من زوجته عمة السلطان. وكان هذا الولد يحذو حذو أبيه، فانحاز إلى حسن الطويل الذي لا يترك فرصة إلا وينتهزها ضد الدولة، وطرد إخوته من عنده واتفق مع من اتفق من الأوروبيين على مناصبة الدولة العداء، وقد بلغت القحة والوقاحة من بعض الدول المجاورة للدولة العثمانية مبلغا جسيما، ومنها من لم يصبها خيرها أو شرها ولم يصلها إلا اسمها بأن أصبحت عدوة لدودة ومناهضة قوية شديدة، وأجمعوا أمرهم عليها، فأضحت المملكة كبيت أحاطت به النيران من كل جانب.

سيرة الفاتح · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الفاتحص ١٤