فَصْلٌ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَمِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ مَعْرِفَةُ عِلَلِهِ ، وَذَلِكَ بِجَمْعِ طُرُقِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إذَا لَمْ يُجْمَعْ طُرُقُ الْحَدِيثِ لَمْ يُفْهَمْ ، وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : لَأَنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ الْحَدِيثِ هُوَ عِنْدِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْتُبَ عِشْرِينَ حَدِيثًا لَيْسَتْ عِنْدِي ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ عَنْ الرَّبِيعِ قَالَ : إنَّ مِنْ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ نَعْرِفُهُ ، وَإِنَّ مِنْ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نُنْكِرُهُ ، وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ : كَيْفَ تَعْرِفُ صَحِيحَ الْحَدِيثِ مِنْ خَطَئِهِ ؟ فَقَالَ : كَمَا يَعْرِفُ الطَّبِيبُ الْمَجْنُونَ .
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَرَأَيْت لَوْ أَتَيْت النَّاقِدَ فَأَرَيْته دَرَاهِمَك ، فَقَالَ : هَذَا جَيِّدٌ وَهَذَا مَسْتُوقٌ ، وَهَذَا مُبَهْرَجٌ ، أَكُنْت تَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ ، أَوْ كُنْت تُسَلِّمُ الْأَمْرَ لَهُ ؟ قَالَ : بَلْ كُنْت أُسَلِّمُ الْأَمْرَ إلَيْهِ قَالَ : فَهَذَا كَذَلِكَ لِطُولِ الْمُجَالَسَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ وَالْخِبْرَةِ .
وَعَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ : عِلْمُنَا بِصِلَةِ الْحَدِيثِ كِهَانَةٌ عِنْدَ الْجَاهِلِ وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى أَبِي زُرْعَةَ فَقَالَ : مَا الْحُجَّةُ فِي تَعْلِيلِكُمْ الْحَدِيثَ ؟ فَقَالَ : الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ لَهُ عِلَّةٌ فَأَذْكُرَ عِلَّتَهُ ، ثُمَّ تَقْصِدَ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ فَتَسْأَلَهُ عَنْهُ فَيُعَلِّلَهُ ، ثُمَّ تَقْصِدَ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ فَيُعَلِّلَهُ ، ثُمَّ تَنْظُرَ فَإِنْ وَجَدْت بَيْنَنَا اخْتِلَافًا فِي عِلَّتِهِ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنَّا تَكَلَّمَ عَلَى مُرَادِهِ ، وَإِنْ وَجَدْت الْكَلِمَةَ مُتَّفِقَةً فَاعْلَمْ حَقِيقَةَ هَذَا الْعِلْمِ ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ ، فَقَالَ :
أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ إلْهَامٌ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمْ .@