وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ
عَنْ رَجُلٍ هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا تَطْرَحْ اللُّؤْلُؤَ إلَى الْخِنْزِيرِ ، فَإِنَّ الْخِنْزِيرَ لَا يَصْنَعُ بِاللُّؤْلُؤِ شَيْئًا ، وَلَا تُعْطِ الْحِكْمَةَ مَنْ لَا يُرِيدُهَا ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ خَيْرٌ مِنْ اللُّؤْلُؤِ ، وَمَنْ لَا يُرِيدُهَا شَرٌّ مِنْ الْخِنْزِيرِ وَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ ذُلٌّ وَإِهَانَةٌ لِلْعِلْمِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يُطِيعُهُ .
وَقَالَ كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيُّ : لَا تُحَدِّثْ بِالْحِكْمَةِ عِنْدَ السُّفَهَاءِ فَيُكَذِّبُوك ، وَلَا تُحَدِّثْ بِالْبَاطِلِ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ فَيَمْقُتُوك ، وَلَا تَمْنَعْ الْعِلْمَ أَهْلَهُ فَتَأْثَمْ ، وَلَا تُحَدِّثْ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ فَتَجْهَلْ ، إنَّ عَلَيْك فِي عِلْمِك حَقًّا كَمَا أَنَّ عَلَيْك فِي مَالِكَ حَقًّا .
ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُ .
وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي الْأَخْلَاقِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ شِمَاسٍ قَالَ كُنَّا بِعَبَّادَانَ فَجَرَى تَشَاجُرٌ بَيْنَ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ ، فَلَمْ يُحَدِّثْهُمْ يَعْنِي وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَقَالَ : إنَّمَا أَرَدْت أَدَبَهُمْ ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ الرَّعَاعَ وَالْغَوْغَاءَ فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ .
فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ قَبِلَ مَشُورَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : فِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنْ لَا يُودَعَ الْعِلْمُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ وَلَا يُحَدَّثَ الْقَلِيلُ الْفَهْمِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ فَهْمُهُ قَالَ : وَالرَّعَاعُ السَّفَلَةُ وَالْغَوْغَاءُ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَأَصْلُ الْغَوْغَاءِ صِغَارُ الْجَرَادِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك ﴾ .
ذَلِكَ مَعَ الْمُعْجِزِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِدَ الْحَقُّ لَهُ لَوْلَا تَخَلُّقُهُ لِلْخُلُقِ الْجَمِيلِ لَانْفَضُّوا عَنْك ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِالْمُعْجِزِ
فِي تَحْصِيلِهِمْ ، لَا تَقْنَعْ أَنْتَ بِالْعُلُومِ وَتَظُنَّ أَنَّهَا كَافِيَةٌ فِي حَوْشِ النَّاسِ إلَى الدِّينِ ، بَلْ حُسْنُ ذَلِكَ وَجُلُّهُ بِالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ .@