بَادِرْ إذَا الْحَاجَاتُ يَوْمًا أَمْكَنَتْ بِوُرُودِهِنَّ مَوَارِدَ الْآفَاتِ كَمْ مِنْ مُؤَخِّرِ حَاجَةٍ قَدْ أَمْكَنَتْ لِغَدٍ وَلَيْسَ غَدٌ لَهُ بِمُوَاتِ تَأْتِي الْحَوَادِثُ حِينَ تَأْتِي جَمَّةً وَنَرَى السُّرُورَ يَجِيءُ فِي الْفَلَتَاتِ وَكَانَ الشَّاشِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْمَشْهُورُ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ يُنْشِدُ : تَعَلَّمْ يَا فَتَى وَالْعُودُ رَطْبٌ وَطِينُك لَيِّنٌ وَالطَّبْعُ قَابِلْ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيَّ الْحَنْبَلِيَّ تِلْمِيذَ أَبِي الْخَطَّابِ الْمُتَوَفَّى فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ قَالَ أَنْشَدَنِي : أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إلَّا بِسِتَّةٍ سَأُنْبِيكَ عَنْ مَكْنُونِهَا بِبَيَانِ ذَكَاءٍ وَحِرْصٍ وَاجْتِهَادٍ وَبُلْغَةٍ وَإِرْشَادِ أُسْتَاذٍ وَطُولِ زَمَانِ قَالَ وَأَنْشَدَنِي رَحِمَهُ
اللَّهُ تَعَالَى : تَمَنَّيْت أَنْ تُمْسِي فَقِيهًا مُنَاظِرًا بِغَيْرِ عَنَاءٍ وَالْجُنُونُ فُنُونُ وَلَيْسَ اكْتِسَابُ الْمَالِ دُونَ مَشَقَّةٍ تَلَقَّيْتهَا فَالْعِلْمُ كَيْفَ يَكُونُ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : مَا يَتَنَاهَى فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا عَاشِقٌ ، وَالْعَاشِقُ يَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ عَلَى الْمَكَارِهِ .
وَمِنْ ضَرُورَةِ الْمُتَشَاغِلِ بِهِ الْبُعْدُ عَنْ الْكَسْبِ ، وَقَدْ فُقِدَ التَّفَقُّدُ لَهُمْ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَمِنْ الْإِخْوَانِ ، وَلَازَمَهُمْ الْفَقْرُ ، وَالْفَضَائِلُ يُنَادَى عَلَيْهَا : ﴿ هُنَالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ فَلَمَّا أَجَابَتْ مَرَارَةُ الِابْتِلَاءِ قَالَتْ : لَا تَحْسَبْ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَشَأْنِهِ وَقَالَ : فَمَا شَاعَ لَهُ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ جُزَافًا ، وَلَا تَرَدَّدَتْ الْأَقْدَامُ إلَى قَبْرِهِ إلَّا لِمَعْنًى عَجِيبٍ ، فَيَا لَهُ ثَنَاءً مَلَأَ الْآفَاقَ وَجَمَالًا زَيَّنَ الْوُجُودَ ، وَعِزًّا نَسَخَ كُلَّ ذُلٍّ ، هَذَا فِي الْعَاجِلِ ، وَثَوَابُ الْآجِلِ لَا يُوصَفُ ،@