وَقَدْ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ﴿ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ إلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً ﴾ قَالَ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا بُولِغَ فِي الْإِحْسَان إلَيْهِ فَإِنَّ مِنْ تَمَام الْإِحْسَان أَنْ يَشْعُر قَدْرَ أَكْثَر الَّذِي خَلَصَ فِيهِ لِيَكُونَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ ، بِأَنْ وَقَاهُ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الشَّرَّ وَغَمَسَهُ فِي الْخَيْر ، كَمَا أَنَّ الْكَافِر إذَا اشْتَدَّ بِهِ الِانْتِقَام أُرِيَ مَقَامَ الْفَوْزِ الَّذِي فَاتَهُ لِتُضَاعَفَ حَسْرَتُهُ مِنْ طَرَفَيْنِ : مَا هُوَ فِيهِ وَتَوَالِي حَسَرَاتِهِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْخَيْر لِيَكُونَ غَمُّهُ مِنْ كِلَا جَانِبَيْهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ قَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم قَوْلًا بِمَحْضَرٍ مِنْ السُّلْطَان فِي الِاحْتِدَاد عَلَيْهِ وَأَخَذَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ يَتَرَفَّق وَيُسَكِّن غَضَبه وَلَمْ يَكُ مَحِلّه بِحَيْثُ يَشْفَع فِي مِثْل ذَلِكَ الْعَالِم ، فَالْتَفَتَ الْعَالِم فَقَالَ لِلشَّافِعِ يَا هَذَا غَضَبُ هَذَا الصَّدْر وَكَلَامُهُ إيَّايَ بِمَا يَشُقُّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَفَاعَتك إلَيْهِ ، فَإِنَّ غَضَبَهُ لَا يَغُضُّ مِنِّي وَهُوَ سُلْطَانِي ، وَشَفَاعَتك فِي غَضَاضَةٌ عَلَيَّ وَكَانَ الْقَائِل حَنْبَلِيًّا فَأَفْحَمَ الشَّافِعَ وَأَرْضَى السُّلْطَان .
وَقَالَ أَيْضًا غَضِبَ بَعْض الصُّوفِيَّةِ عَلَى الْأَمِير فِي طَرِيق الْحَجّ فَقَالَ حَنْبَلِيّ بِلِسَانِ الْقَوْم .
قَبِيحٌ بِنَا أَنْ نَخْرُجَ وَنَرْجِعَ مُطَاوَعَةً لِلنُّفُوسِ وَهَلْ خَرَجْنَا إلَّا وَقَدْ قَتَلْنَا النُّفُوس ؟ فَرَجَعَ مَعَهُ وَأَطَاعَهُ فَقَالَ سُبْحَان اللَّه لَوْ خُوطِبُوا بِلِسَانِ الشَّرِيعَةِ مِنْ آيَةٍ أَوْ خَبَرٍ مَا اسْتَجَابُوا فَلَمَّا خُوطِبُوا بِكَلِمَتَيْنِ مِنْ الطَّرِيقَة أَسْرَعُوا الْإِجَابَة فَمَا أَحْسَن قَوْل اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ .
وَفِي حَوَاشِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى ذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَهُ رَجُل يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِظْنِي قَالَ مُسْتَوْصٍ أَنْتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ : لَا تُهْلِك النَّاسَ عَنْ نَفْسِكَ@