الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ } وَذَكَرْتُ فِي مَكَان آخَر مَا تَكَرَّرَ مِنْ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ لَا تَغْضَبْ ﴾ وَقَوْله ﴿ إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ ، وَإِنْ كَانَ جَالِسًا فَلْيَضْطَجِعْ ﴾ وَقَدْ قِيلَ : ﴿ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اُذْكُرْنِي عِنْدَ غَضَبِكَ أَذْكُرْك عِنْدَ غَضَبِي فَلَا أَمْحَقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ ، وَإِذَا ظُلِمْتَ فَارْضَ بِنُصْرَتِي لَك فَإِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نُصْرَتِكَ لِنَفْسِك ﴾ .
{ وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : يُبَاعِدُك مِنْ غَضَبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا
تَغْضَبَ } .
وَقَدْ ذَكَرْتُ مَعْنَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَامُ : أُعْطِينَا مَا أُعْطِيَ النَّاسُ وَمَا لَمْ يُعْطَوْا ، وَعَلِمْنَا مَا عَلِمَ النَّاس وَمَا لَمْ يَعْلَمُوا ، فَلَمْ نَرَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ الْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ، وَالْقَصْدِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْر وَخَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ﴾ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّمَا يُعْرَفُ الْحِلْمُ سَاعَةَ الْغَضَب وَكَانَ يَقُول أَوَّلُ الْغَضَبِ جُنُون وَآخِره نَدَم وَلَا يُقَوَّمُ الْغَضَب بِذُلِّ الِاعْتِذَار وَرُبَّمَا كَانَ الْعَطَب فِي الْغَضَب وَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ لِأَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ السَّرِيعُ الْغَضَب سَرِيع الْفَيْئَة وَيَكُونُ بَطِيءُ الْغَضَب بَطِيءَ الْفَيْئَة قَالَ لِأَنَّ الْغَضَب كَالنَّارِ فَأَسْرَعُهَا وُقُودًا أَسْرَعُهَا خُمُودًا .
أَرَادَ الْمَنْصُورُ خَرَاب الْمَدِينَةِ لِإِطْبَاقِ أَهْلهَا عَلَى حَرْبه مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُعْطِيَ فَشَكَرَ ، وَإِنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اُبْتُلِيَ فَصَبَرَ ، وَإِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدَرَ فَغَفَرَ ، وَقَدْ جَعَلَك اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ نَسْلِ الَّذِينَ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ .
فَطَفِئَ غَضَبُهُ وَسَكَتَ .
وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا بِالْقُرْبِ مِنْ نِصْفِ الْكِتَاب فِي الْخُلُق الْحَسَن وَالْحِلْم وَنَحْو ذَلِكَ .@