وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَقَالَ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ وَقَدْ
اُشْتُهِرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ وَيَقُومُ أَوَّلَ النِّصْفِ الثَّانِي يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي وَيَدْعُو ، فَيَسْتَرِيحُ الْبَدَنُ بِذَلِكَ النَّوْمِ وَالرِّيَاضَةِ وَالصَّلَاةِ مَعَ حُصُولِ الْأَجْرِ الْوَافِرِ ، فَالنَّوْمُ الْمُعْتَدِلُ مُمْكِنٌ لِتَقْوَى الطَّبِيعَةُ مِنْ أَفْعَالِهَا ، مُرِيحٌ لِلْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ مُكْثِرٌ مِنْ جَوْهَرِ حَامِلِهَا ، وَيَنَامُ عَلَى صِفَةِ مَا سَبَقَ ، وَلَا يُبَاشِرُ بِجَنْبِهِ الْأَرْضَ وَلَا يَتَّخِذُ الْفُرُشَ الْمُرْتَفِعَةَ .
قَالَ بَعْضُهُمْ النَّوْمُ حَالَةٌ لِلْبَدَنِ يَتْبَعُهَا غَوْرُ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ وَالْقُوَى إلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ لِطَلَبِ الرَّاحَةِ ، وَالنَّوْمُ الطَّبِيعِيُّ إمْسَاكُ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ عَنْ أَفْعَالِهَا وَهِيَ قُوَى الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ ، وَمَتَى أَمْسَكَتْ هَذِهِ الْقُوَى عَنْ تَحْرِيكِ الْبَدَنِ اسْتَرْخَى وَاجْتَمَعَتْ الرُّطُوبَاتُ وَالْأَبْخِرَةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَحَلَّلُ وَتَتَفَرَّقُ بِالْحَرَكَةِ وَالْيَقَظَةِ فِي الدِّمَاغِ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ هَذِهِ الْقُوَى فَيَنْحَدِرُ وَيَسْتَرْخِي .
وَالنَّوْمُ غَيْرُ الطَّبِيعِيِّ يَكُونُ لِعَرَضٍ أَوْ مَرَضٍ بِأَنْ تَسْتَوْلِيَ الرُّطُوبَاتُ عَلَى الدِّمَاغِ اسْتِيلَاءً لَا تَقْدِرُ الْيَقَظَةُ عَلَى تَفْرِيقِهَا أَوْ تَصْمُدُ أَبْخِرَةٌ كَثِيرَةٌ رَطْبَةٌ كَمَا يَكُونُ عَقِبَ الِامْتِلَاءِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، فَتُثْقِلُ الدِّمَاغَ وَتُرْخِيهِ فَيَنْحَدِرُ وَيَقَعُ إمْسَاكُ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ عَنْ أَفْعَالِهَا فَيَكُونُ النَّوْمُ ، وَمِنْ فَائِدَتِهِ أَيْضًا هَضْمُ الْغِذَاءِ وَنَضْجُ الْأَخْلَاطِ لِغَوْرِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ إلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ وَلِهَذَا يَبْرُدُ ظَاهِرُهُ وَيَحْتَاجُ إلَى غِطَاءٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنَامُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ لِئَلَّا يَسْتَغْرِقَ فِي النَّوْمِ لِأَنَّ الْقَلْبَ فِي جِهَةِ الْيَسَارِ فَيُعَلَّقُ حِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَغْرِقُ ، وَإِذَا نَامَ عَلَى الْيَسَارِ اسْتَرَاحَ وَاسْتَغْرَقَ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يُحِيطُ بِالْمَعِدَةِ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ الْكَبِدُ وَمِنْ الْأَيْسَرِ الطِّحَالُ ، وَأَنَّ الْمَعِدَةَ أَمْيَلُ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ قَلِيلًا ، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ يَعْتَمِدُ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ .@