هل من مكرم لكم؟ ... جملة استفهامية افادة النفي
زيد مكرمكم ... جملة مثبتة
تبدو الجملتان متضاربتين، لا يستقيم معنوياً تواليهما في الكلام، لأن النفي في الأولى ينفي كل صيغة من صيغ الإثبات بعده، كما أن الإثبات في الثانية يستوجب مبدئياً أبطال كل نفي سابق. إلا أن التصرف في عناصر الجملتين بحذف الخبر (لكم) في الجملة الأولى، وبحذف الخبر (مكرمكم) في الجملة الثانية وتعويضهما بأداة الاستثناء (غير) يجعل بين النفي والإثبات المتضاربين حسبما سبق ممكنناً بل مقصوداً. إن الجمع بين النفي والإثبات في تركيب واحد وعلى حال من التأليف يجعل الكلام مخصوصاً بالمثبت دون المنفي، وهذا الجمع بين حكمين متنافرين في الأصل هو الذي يجعل القصر تركيباً طريفاً مظهره جملة أحادية وأساسه جملتان مستقلتان متضاربتان، فهو من هذه الناحية في قوة جملتين (1).
وعلى ما يبدو أن البصريين قد تنبهوا لهذا فقدروا الاستثناء المنقطع بـ (لكن) المشددة، لأنه في جملة منفصلة عن الأولى، فقولك: ما في الدار أحد إلا اسداً في تقدير: لكنّ فيها اسداً على أنه استدراك مخالف ما بعد (لكن) فيه ما قبلها، غير أنهم اتسعوا، فاجروا (إلا) مجرى (لكن) (2).
فضلاً عن ذلك تضمنت هذه المتوالية الاستفهام وجوابه، كما تضمنت (النفي) نفي أن يكون الخالق غير الله و (الإثبات) إثبات بأن الله هو الخالق: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾
أما المتوالية (لا إله إلا هو) بدأت بـ (لا) النافية للجنس و (إله) اسمها (3)، والاستثناء في هذه المتوالية متصل، وبما أن الكلام تام غير موجب ففيه اعرابان: جواز النصب على الاستثناء والاتباع على البدلية، واختير هنا الثاني، وعليه (إلا) أداة حصر
(هو) ضمير رفع منفصل في محل رفع بدل من محل (لا) وأسمها، أو من الضمير المستمر
(1) ينظر: (القصر في سورة البقرة)، الشاذلي الهيشري، حوليات الجامعة التونسية، ع 26، 1987
: 106 - 107.
(2) ينظر: همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، جلال الدين السيوطي، تح: عبدالعال سالم مكرم، دار البحوث العلمية، 1975م: 3/ 249.
(3) ينظر: معجم إعراب ألفاظ القرآن: 571.