تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وكاتبه أيضا منها فلم يجبه، فزحف إليه فوجده قد تحصن بها ونصب منجنيقاته وعراداته

4

على سورها، فنزل أحمد بن طولون بمرجها، وأحاطت عساكره بحيطانها، ففجر يازمان عليهم نهر البردان،

5

وكان ذلك في كانون الأول، وأوان شدة البرد والمطر، فكاد أن يغرق أكثر عسكر أحمد بن طولون، فرحل عنها ليلا بعد أن غرق المرج وما حول مدينة طرسوس، وغرقت المضارب والخيم وكل ما كان في العسكر، فلم يتهيأ له مقام ساعة واحدة، ووافى إلى أذنة فكتب إليه كتابا يقول فيه:

أما والله أيها الناقص الأنذل،

6

لولا [إرادة] إبقائي على ثغور المسلمين، وكراهتي أن أفتح عليها للعدو معرة تكون سببا لهلاكها؛ لعلمت أن مثلك لا يقاوم غلاما من غلماني ولا يعشره، فلما انتصرت بما فتحته فغرقت به ما لا يمكنه دفعه إلا بما فيه هلاك الثغر انصرفت كافا يدي، محافظا لله، عز وجل، ولجماعة ساكني الثغر، لا محافظة لك ولا عجزا عن حملتك الضعيفة والسلاح.

وأصبح أحداث طرسوس في حوا [؟] إلى ما غرق من الآلات التي ند عنها أهلها لما غرقت بالماء فنهبوها.

وانصرف أحمد بن طولون عن يازمان، بغيظ عظيم، قد تمكن في قلبه منه، إن شفاه أهلك ثغور المسلمين وبلغ منيته، فرأى أن كظمه وتحمل غيظه لما كان فيه من الدين والخير أعود عليه في آخرته.

وطال مقامه بأذنة، وكان ذلك في عنفوان اشتداد البرد كما ذكرنا متقدما، فمات من سودانه خلق كثير؛ لأنهم بقوا بطول مقامهم عراة في البرد. وتساقط من الدواب مثل ذلك من كثرة الثلوج، فلما زاد الأمر عليه رحل إلى المصيصة، فاجتمع إليه وجوه قواده وكبار أصحابه، فقالوا له: لا تبرح أو يزول هذا البرد، وتعود إلى يازمان ويمكنك الله، جل اسمه، منه. فقال لهم: والله لا يراني الله، عز وجل، وأنا أجهز جيشا لمحاربة طرسوس إذ كانت سكن الإسلام.

فأقام بالمصيصة ثلاثة أيام، وقد نالته علة من البرد، فلم يبلغ أنطاكية حتى زادت علته، وكان بدؤها هيضة؛ أكل لبن جواميس، فاعتراه بعد الهيضة قذف فأعقبه قيء كثير، فكان بدؤه سببا صغيرا كما قال ابن الربعي:

لا تحقرن سببا

كم جر شرا سبب!

وتزايدت علة الذرب،

7

وكان طبيبه سعيد بن توفيل

8

فوجده قد خرج إلى بعض الديارات هناك، فاغتاظ لذلك عليه، وضاق له صدره، فزاده الغيظ هيضا، فلما وافاه طبيبه سعيد أغلظ له القول، ومنعته عزة نفسه أن يشكو إليه أمره وما ناله، والعلة تزيد قليلا قليلا وتستحكم، ثم دخل إليه طبيبه في الليلة الثانية فاشتم منه رائحة نبيذ، والنبيذ عند النصارى فهو والله دينهم وعادتهم، وقال له: لي يومان في هذه العلة وأنت لاه شارب وتأتيني متنبذا. فقال له: طلبني الأمير، أيده الله، بالأمس وكنت في بيعة

9

يتبرك مثلي بالصلاة فيها، ويسافر إليها من البلدان البعيدة،

10

فلما قربت منها استغنمت ذلك، فلما جئت لم يخبرني سيدي الأمير بما جرى بعدي. فقال له: أفما كان يجب أن تسألني عن حالي؟ فقال له: خفت سوء ظن سيدي الأمير، ولم يجز أن أسأل أحدا من الحاشية عما لا يعلمون صحته، وشربي النبيذ فإنما آخذ منه الشيء اليسير؛ لأنا نأخذه في قرباننا دينا، لا أشربه كما يشربه الناس، وأنا مشغول بخدمة الأمير. فقال له الأمير: فما الحيلة الآن؟ قال: تمتنع من الغذاء الليلة، فلا تذوق شيئا قل ولا جل بوجه ولا سبب، ولو قرمت

11

إليه بكل نوع من الشهوة له، وتتحمل ذلك على كل حال. فقال له: ويحك فأنا والله الساعة جائع شديد الجوع وما أصبر. فقال له: الله الله أيها الأمير؛ فإن هذا جوع كاذب لبرد معدتك تجده. فلما كان في نصف الليل اشتد به الجوع فلم يصبر، وعاد ذلك الحزم فيه نقصا، فدعا بشيء فأكله، وأتي بطبق فيه فراريج [حارة] مشوية وخروف وجدي بارد، فأكل من كل ما رآه، فلما حصل في معدته انقطع عنه الإسهال.

قال نسيم الخادم: فلما وقفت على ذلك خرجت إلى سعيد بن توفيل وهو قائم في الدار، فقلت له: قد أكل مولاي الساعة من خروف وجدي وفراريج وبزماورد

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٨١