قال مؤلف هذا الكتاب: و[ما] كان فعل لؤلؤ في أمر مولاه كفعل الخارجي في الحجاج بن يوسف، على أن رأي الخوارج في الحجاج وغيره من الولاة معروف، حدث مروان بن الحكم الأردني قال: أتي الحجاج بن يوسف بخارجي خرج عليه فقال: اضربوا عنق ابن الفاعلة.
65
فقال له الخارجي: بئسما أدبك أهلك يا حجاج، أبعد الموت منزلة أصانعك لها؟ ما كان يؤمنك أن ألقاك بمثل ما لقيتني به؟ فقال له الحجاج: صدقت ، لله درك! وأطلقه، فرجع الخارجي إلى [أهله]، فلما كان بعد وقت من الزمان عزم الخوارج على قتال الحجاج، فقالوا لذلك الخارجي: ارجع معنا إلى قتال الحجاج ابن الفاعلة، فوالله ما أطلقك هو بل الله، عز وجل، الذي أطلقك. فقال لهم: هيهات! غل يدا مطلقها، واسترق نفسا معتقها
66
وأنشأ يقول:
67
أأقاتل الحجاج عن ملكوته
68
بيد تقر بأنها مولاته [إني إذن لأخو الدناءة والذي
عفت على عرفانه جهلاته]
ماذا أقول إذا وقفت حياله
في الصف واحتجت له فعلاته
وتحدث الأقوام أن صنيعة
غرست لدي فحنظلت نخلاته
أأقول جار علي؟ إني فيكم
لأحق من جارت عليه ولاته
والله لا خنت الأمير بآلة
وجوارحي وسلاحها آلاته
أجد الخزاية أن أكون مصعرا
خدي أو مكفورة حسناته
69
فهذا على أنه خارجي لا عهد له ولا عقد، شكر الحجاج على ما فعله في أمره، وما من به عليه، فمنعه ذلك من الإساءة إليه والعودة إلى ما يكره، ولؤلؤ كفر أيادي مولاه، وإحسانه إليه، وإنعامه عنده، ولم يشكر شيئا منها ولا رعاه، وقد من عليه بالأموال، وصير له الجاه العظيم، بعد أن رباه صغيرا في حجره كأحد ولده، وأوطأ عقبه
70
الرجال كثيرا، وأمره على من هو خير منه أما وأبا وحالا ومحلا، لشتان بين الرجلين، والحديث شجون.
قال المنصور للربيع حاجبه ومولاه، وإنما ملكه كبيرا وقدمه واصطفاه رجلا: يا ربيع، سل حاجتك؛ فلقد سكت حتى نطقت، وخففت حتى ثقلت، وقللت حتى كثرت. فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرهب بخلك، ولا أستقصر عمرك، ولا أغتنم مالك، وإن يومي بفضلك علي لأحسن من أمسي، وغدي في تأميلك أحسن من يومي، فلو جاز أن يشكرك شاكر بعين الخدمة والمناصحة لما سبقني إلى ذلك أحد. فقال له: صدقت، علمي بذلك أحلك مني هذا المحل، فسل حاجتك؛ فإني أقسم عليك لتفعلن. فسأله أشياء، فوقع له بها، وبجائزة حسنة.
وما يشك في أن لؤلؤا قد وصل إليه من مال صاحبه أكثر مما وصل إلى الربيع؛ لأن المنصور كان رجلا متقللا قنوعا، فكان في عطائه على قدر ذلك، ثم ازدادت حال الربيع حتى قلده وزارته بلزومه مناصحته.
قال: ونزلت حال لؤلؤ عند الموفق ببغيه الوبي، وأصله الدني، وفعله الردي، حتى قبض عليه، وأخذ جميع ما كان في يديه، فلما صيره ظرفا فارغا، أطلقه كلبا والغا،
71
كل ذلك كان من الموفق غيظا عليه، لما شاهده منه في أمر مولاه.
ولعهدي بلؤلؤ في آخر أيام هارون بن أبي الجيش خمارويه، وقد دخل إلى الفسطاط فما رأوه إنسانا، ولا أولوه إحسانا، ومنعوه أن يلبس سيفا ومنطقة، فكان يركب بدراعة وغلام واحد بين يديه، كأنه من بعض وكلاء الريف، فكان ما نزل به ثمرة العقل السخيف والفعل القبيح.
| سبب موت أحمد بن طولون: ولكل أجل كتاب
قال مؤلف هذا الكتاب: أول ذلك أن يازمان الخادم، لما خلا ذرعه بوفاة موسى أخي أحمد بن طولون وإبراهيم بن عبد الوهاب اليتيم، تمكن من طرسوس وخلت له، [فثار به خلف]
1
وكان قد استمال طائفة من مطوعيها، فوثبهم على خليفة طخشي الذي استخلفه موسى عليها، لما حضرته الوفاة فأخرجوه عنها، واتصل خبره بأحمد بن طولون وهو يومئذ بدمشق، وخاف التدبير عليه، فسلك طريقا متجانفة، ووجه إلى المخايض والقناطر بمن يمنع منها أن تقع عليه حيلة فيها حتى بلغ المصيصة
2
فأقام بها، وكاتب يازمان وراسله بالشيوخ يدعوه إلى الطاعة وترك المشاقة، والانقياد إلى أمره، ويبذل له الأمان، ويخيره بين الخروج منها سالما مسلما موفورا، ويميت أسباب الشر والمحاربة، أو يقيم عليها غلاما من غلمانه من قبله، فلم يجبه إلى واحد منهما، فدخل إلى أذنة