فسأل عن الدار لمن هي؟ فقيل: لحسن بن شعرة، فأحضره في الوقت، وشق عنه، وضربه في موضعه خمسمائة
169
سوط، وهدمت داره، وطيف به البلد على جمل، فبلغ ما كان في نفسه منه، مكافأة على قبيح أفعاله به مرة بعد مرة، وهو يحذره فلا يحذر.
وعاد وقد بلغ في أمر السعر ما أحب وأحب أهل البلد، وكثر الضجيج له بالدعاء على ذلك، وتصدق في ذلك اليوم بجملة عظيمة شكرا لله على كفايته.
ومن ذلك أنه كان له بسر من رأى صديق من أولاد الموالي قد برع في الكتابة والأدب، وحسن الافتنان في العلوم، وحلاوة الشاهد، فلما استقلت أحواله بمصر وعظمت، كتب إليه يستزيره ويذكر له أن الحال التي قد هيأها الله، جل ذكره، لا تهنئه إلا بمشاركته فيها، وأتى في ذلك ما يأتيه الكرام مع إخوانهم إذا رزقوا حالا استبدوا بها دونهم، فأجابه أن السفر يشق عليه والبلد بلد شاسع، لا يكاد يعهد السفر إليه، ويذكر من شوقه إليه أضعاف ما ذكره في كتابه، وأن اليسير الذي في يده يقنعه ويغنيه عما سواه، ويشكر له فعله، فغم ذلك أحمد بن طولون وساءه تأخره عنه، لما كان بينه وبينه من المودة والعشرة والأخوة، فأراد الإفضال عليه والأنس به.
فلما سرفت الحال بينه وبين الموفق ورد كتابه عليه يذكر فيه أن شوقه إليه قد تزايد، وأنه ل يطيق الصبر عن زيارته، وأنه قد سهل عليه تحمل مشقة السفر، لما قد استولى على قلبه من محبة النظر إليه ويستأذنه في الرحيل إليه.
فاستبشر أحمد بن طولون بذلك، وأذن له فيه، إلا أن نفسه لقوة ذكائه نفرت بعض النفور. وكتب إلى خليفته طيفور يأمره أن يستكشف له خبره، ويشرح له صورة أمره بالحضرة، وإلى من ينقطع بها، فكتب إليه أن حاله حسنت في دار السلطان، ومنزلته قد ظهرت، وأن بينه وبين الموفق صلة قوية، وله منه منزلة كبيرة.
ولم يمض إلا مديدة يسيرة حتى وافاه خبره أنه قد قرب من البلد، فأخرج إليه وجوه أصحابه وقواده وتلقوه بالعباسة،
170
فلما وصل بلغ منية مال الله
171
أقام له الجيش سماطين
172
في أحسن زي إلى الميدان، ومن الميدان إلى داره، وأوقف من باب قصره إلى مجلسه الروم والترك والمستوقدات والعمد الحديد، ودخل الرجل يشق هؤلاء كلهم حتى وصل إليه، فكاد عقله يطير مما رأى وشاهد، مما لم يظنه ولا قدره.
فلما قرب منه قام إليه أحمد بن طولون فتلقاه، وأجلسه معه، وأكب عليه يسائله عن أحواله، وقد أعد له حجرة في قصره وفرش له فيها، وأعد له جميع ما يحتاج إلى من كل شيء حسن جليل له خطر وحسن من قليل وكثير، فلما خليا ساعة وتحدثا دعا بالمائدة فأكلا، ولم يزالا في حديث ومؤانسة إلى وقت العشاء الآخرة، فقال له أحمد بن طولون: أنت قد تعبت وتحتاج إلى راحة، فإن نشطت إلى أن تخلو لذلك في دارك فعلت. فقام الرجل إلى تلك الدار، وأتبعه غلمانه وحجبه يسبقونه إليها، فلم يمض من الليل إلا أيسره حتى أمر خاقان الطرسوسي بالقبض عليه، والاحتياط على جميع ما معه، حتى لا يفوته منه شيء.
وكان إذا جرى منه شيء في هذا الباب كشف لأصحابه عن وجه الخبر فيه، ليزول عن قلوبهم التعلق بما يجري منه، فلما انقضى أمر الرجل ومضت له ثلاثة أيام أقبل على جماعة من وجوه أصحابه وقواده، فقال: اسمعوا خبري مع هذا الرجل الذي استدعيته لأقضي حقه وحق الصحبة التي كانت بيني وبينه والمودة، ولما أعلمه من حاله ليشركني في نعمة الله عندنا، فأبى وامتنع علي، واستبعد الطريق إلينا، فغمني ذلك.
ولما كان في هذا الوقت كتب يستدعي ويذكر شوقه إلينا، ويسأل الإذن له في مصيره إلينا، فأذنت له في ذلك، وآثرت مشاهدته، وكتبت إلى خليفتي بالحضرة ليستكشف لي حاله هناك، فكتب يذكر أن حاله قد حسنت في دار السلطان، ومنزلته قد عظمت عنده، وخلطته بالموفق قد ظهرت، فما قدرت إلا أن الموفق لما بلغه ما بيني وبينه من الإخاء والمودة دسه إلي ليحسن التسديد بيني وبينه حتى يصلح ما تشعث بيننا.