وأرى المدينة منذ صرت أميرها
أمن البريء بها ونام الأعزل
ولقد أحسن ابن مهاجر في ذلك.
وشبيه بهذا ما روي عن عمر بن الخطاب، رحمه الله، أنه اجتاز ببعض سكك المدينة فرأى صبيانا يلعبون، فيهم عبد الله بن الزبير، فهربوا جميعا غير ابن الزبير، فقال له عمر: ما لك أنت لم تهرب كما هرب أصحابك؟ فقال: لم آت جرما فأخافك، وما بالطريق من ضيق فأوسع لك. فأعجب عمر قوله، ومضى وهو يقول: لله درك! وبارك الله عليك.
قال: وذكر أيضا محبوب بن رجاء في مجلس ابن عبد كان فقال قائل: إنما كان مقبلا بإقبال صاحبه، فلما مات أدبر، فقال ابن عبد كان: دعونا من هذا القول. لقد كان بين الفضل. لقد أمرني أحمد بن طولون يوما بإنشاء كتاب يقرأ على المنبر فأنشأته، ودفعته إلى محبوب ليقرأه وكان فصيحا، فدفعه محبوب إلى غلامه صاحب دواته ليحمله إلى الجامع، وتركه الغلام في منديل العمل،
165
وركب الأمير إلى الجامع، وحمل الغلام ثلثا نقيا، وهو يقدر أنه الكتاب، فلما صعد محبوب المنبر ناوله الغلام الثلث النقي، فلما نشره محبوب علم أن الغلام غلط ونسي، فاندفع ومضى به يقرأ، وينشر الثلث ويطوي ليوهم من يراه أنه يقرأ منه، مثل ما كان في الثلث، وما شذ عنه منه شيء، بألفاظ عذبة حسنة المعنى في الذي قصده، وأتى على ما كان نفسه، فلولا أنني الذي أنشأته لشككت فيه، وما فطن به أحد غيري، بل تبين منه الأمير بعض الاضطراب لذكائه وحدة خاطره وقوة حسه.
فلما نزل عن المنبر أمر أن يؤخذ منه الغلام فأخذ، وما خاطبه حتى صار إلى الدار فأحضره وقال له: ويحك! إنك قد أتيت بمثل ما كان في الكتاب، ولولا ما فيك من الفضل لافتضحت، فكيف جرى هذا؟ فعرفه غلط الغلام فقال له: إن لم تؤدبه على هذا أدبا يمنعه من تركه مراعاة أمرك جرى عليك بعده أعظم منه، وأمر بإحضار الغلام فأحضر، فضرب بين يديه مائة مقرعة، وقال لمحبوب: إن اخترت أن تستبدل به فافعل، وإن علمت هذا الأدب قد أصلحه فدعه على رسمه. ثم قال ابن عبد كان: وإن كان الرجل يقبل بإقبال صاحبه كان، فله فضل طبيعة وحسن صناعة.
وعدنا إلى أخباره الموجبة له العذر فيما يأتيه من العقوبة؛ فمنها خبر ابن شعرة، وكان ابن شعرة
166
هذا يضحك المتوكل على الله، وكان يغني أيضا، وكان قد انضوى إلى ابن مدبر لصبابة خراجيات
167
كانت له بمصر، فكان لما يعلم من كره أحمد بن طولون لابن مدبر يذكره عنده، فأحضره ونهاه عن ذلك، فكأنه إنما أغراه بنفسه ولم ينته، فأقبل على حملته يتقرب إلى ابن مدبر بذكره كل ما سمعه، يذكر ثقل وطأته عليه، ويتبرم بمكانه معه في البلد، فبلغه أيضا ذلك، فوجه إليه من نهاه فلم ينته، وبلغه عنه ما ينفره مثل ذلك، فأحضره وقال له: ويحك! انته عما يبلغني واحذر مني ويلك، فلن يبلغني عنك بعد هذا شيء أنكره إلا أتيت على نفسك، فعاد إلى ابن مدبر بعد أن حلف له أن جميع ما يبلغه تحيف عليه، فلما عاد إلى ابن مدبر دخل خزانة الكسوة، وليس منها مثل ما كان على أحمد بن طولون، وخرج إلى ابن مدبر فجلس مثل جلوس أحمد بن طولون وحاكاه، وأعاد ما خاطبه به، وأقبل ابن مدبر يضحك منه ويعجبه ذلك، وبلغ ذلك أحمد بن طولون. واتفق في الوقت أن السعر بلغ، واضطرب البلد لذلك. على أن السعر كان إذا تحرك في أيامه كان خمسة أرادب بدينار وأربعة، وإلا فكان من العشرة إلى ما دونها مما ذكرناه، فركب أحمد بن طولون ليهدئ الناس، ويعاقب قوما من القماحين والدقاقين، وينظر فيما يصلح أمر الناس في البلد، فلما بلغ إلى مسجد عبد الله ازدحم النساء من السطوح ينظرن إليه، وأشرفن من كل دار، فاطلعت امرأة من دار ابن شعر من أعلى سطحها من بين مركني
168
ريحان، وجاءت أخرى لتنظر معها، فازدحمتا، فرمت إحداهما أحد المركنين الريحان، فسقط للمقدور على كفل دابة أحمد بن طولون ولم يشعر به، فوثب الفرس ونتره من سرجه، ولولا ثبوته في ظهره لرماه الأرض.