تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدث شعيب بن صالح قال: ركب أحمد بن طولون يوما فسلك شارع الحمراء يريد الجيزة، فلما توسطه وقف ودعا بطخشي فأراه دارا هناك، وقال له: قف على هذه الدار توكل بها، واحذر أن يفوتك أحد ممن فيها، حتى تتصفح وجوههم واحدا واحدا، فإنك تجد شيخا صفته كذا وكذا، رأيته الساعة يتطلع من طاق في عقر

156

هذه الدار، فلما رآني أغلق الطاق فخذه وامض به إلى الدار إلى أن أعود إن شاء الله.

قال طخشي: وسار الأمير ووقفت على الدار، وأطفت بها الخيل والرجال، وأنزل إلى جميع من فيها وأتصفح وجوههم واحدا واحدا، فوجدت الشيخ على الصفة التي وصفها لي، فقبضت عليه، وصرت به إلى الميدان، ورجع الأمير فحين نزل دعا بالشيخ، فلما مثل بين يديه قال له: من أين الرجل؟ قال: من بغداد، قال: وما جاء بك إلى ها هنا؟ قال: صاحب خبر عليك، قال له: علي، قال: نعم، عليك. قال: ومن أنفذك متخبرا

157

علي؟ قال: الأمير أبو أحمد الموفق. قال: وبمن تعرف يا شيخ؟ قال: بالقطان الطالقاني . قال: فضحك أحمد بن طولون، لما أعجبه من صدقه، وقلة جزعه، وانحل غيظه، وقال له: اجلس. فجلس، فقال له: أبو من؟ قال: أبو جعفر، فقال له: قد سمعت بك يا أيا جعفر وكتب إلي بخبرك، وقد سررتني بصدقك إياي، وحرست نفسك بذلك مني، فمذ كم وردت البلد؟ قال: منذ سنة. قال له: ويحك! ولك هذه المدة منذ دخلت البلد وأمرك مستتر عني؟ قال: نعم. قال: فكيف تقف على أخباري وهذه حالك في الاستتار؟ فقال: معي عشرة يدورون في البلد، ويرفعون إلي أخبارك، وأكتب بها. فقال له: وكيف قدرت على الدخول إلى البلد مع ضبطي طرقه؟ فقال: ركبت البحر من أنطاكية إلى تنيس

158

ومنها إلى مصر. فقال: صدقت، أما هذا فما ضبطناه ولكن من الآن.

ثم قال له: يا أبا جعفر، إنك هو ذا تحسن وتجمل إلي وإلى نفسك في صدقك إياي، وقد أمنك الله، عز وجل، وأزال خوفك، فاصدقني أيضا عما أسألك عنه ولا تنافقني متقربا إلي، هل ترى في سيرتي شيئا تنكره أو في تدبيري سياستي ما تذم؟ مع تأملك لذلك منذ سنة، قال: لا، والله الذي لا إله إلا هو، وبالله إني لأكتب بذلك وبما هو لك لا عليك، وإني لأعلم أنه يسوء من أكاتبه به، ولكن الصدق يبعثني عليه رضي به من رضي، أو سخط من سخط؛ لأني ما أقول فيما أكتب به إلا حقا؛ لأن أفعالك كلها حسنة جميلة، مضبوطة محفوظة مستقيمة، فإن الذي أكتب به من ذلك لمما يزيد به حالك في قلوبهم خوفا وهيبتك في نفوسهم عظما وجزعا وذعرا. فقال له: حسبي يا أبا جعفر، أحسن الله إليك.

ولكن يا أبا جعفر، كتب إلي عنك بستر ودين وصدق لهجة وغنى عما حملت نفسك عليه، فلم رضيت لنفسك بخدمتهم في هذه الحال العظيمة التي يركب صاحبها فيها خطة لا يدري ما عقباها؟ وهذا أيضا مع بعد الطريق وتكلف المشقة العظيمة فيها وعظم المخاطرة. فقال: أيها الأمير، أجبرت وخوفت، فسمعت وأطعت، ولم يمكني الخلاف؛ لأن لي في بلدهم عقارا وعيالا وأهلا وتجارات، ولولا ذلك لاخترت، لما ندبت له، الهرب من بلدهم، ولما استجبت، إلا أني اشترطت عليهم أني إن وقعت في يدك، وسألتني عن شيء، صدقتك فيه، وقدرت أني أدفع بذلك عني ما دعيت له، فلم يثنهم ذلك، وأذنوا لي فيما شرطته عليهم من صدقك عما تسألني عنه من قليل وكثير، فحمدت الله، عز وجل، على ما ابتلاني به من ذلك، وصبرت عليه، وعملت على أنها مصيبة من المصائب التي تلحق الناس لا يمكنهم دفعها عنهم، وعملت على أنك، أيها الأمير، إذا وجدتني لم تستبقني، فما خرجت حتى أوصيت كما يوصي من تحضره الوفاة؛ إذ كنت لم أجد بدا من ذلك، وقد أخلف الله، جل اسمه، ظني، وأزال خوفي، بكرم طباع الأمير، أيده الله، ورأفته؛ فلولا ذكاء الأمير، أيده الله، وحدة خاطره، وقوة حسه، وصحة ذكائه، بما وهبه الله الكريم له من ذلك، لما فطن لي وقد رآني أتطلع من طاق، وما أنكر عند ردي باب الطاق حين رأيته، فكان ما ظنه ووقع له في حقا. فقال له الأمير: والله يا أبا جعفر كذاك، ما أنكرت غير ردك باب الطاق حين رأيتني، وإن فطنتك يا أبا جعفر لحسنة، ولولا ما فيك من الفضل والذكاء والعقل لما علمت بذلك، فهل لك إلى ما أدعوك إليه؟ فقال: يأمر الأمير، أيده الله، بما أمتثله، إن شاء الله. فقال له: أدعوك إلى خدمتي كما خدمتهم مع مجانبة الخلاف علي. فقال له: قبيح أيها الأمير أن أدع قوما سبقوك إلي وخلطوني بأنفسهم ووثقوا بي، فلا يجوز أن أكون عليهم بعد أن كنت لهم ومعهم، وإذا لم أصلح لصاحبي الأول لم أصلح للثاني.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٣٠